اختتمت دارة زرقان للثقافة والفنون أعمال ورشة الشعر العالمي الأولى بأمسية كبيرة أقيمت في دمشق على شرف الشاعر السوري أدونيس. وشارك في الأمسية التي حملت عنوان «ياسمين الشام» عدد من الشعراء من سوريا والعالم منهم: هالا محمد من سوريا وجريس سماوي من الأردن وأنجلا غارسيا من كولومبيا،إضافة إلى يواكيم سارتوريوس من ألمانيا ولاس سوديربرغ من السويد.

والبداية كانت مع الشاعر الألماني يواكيم سارتوريوس الذي عبر عن إعجابه الكبير بتراث دمشق الرائع الذي يدل على دورها الفعال في مختلف الحضارات بقوله: يا دمشق.. «في شي تاني»؟ /هل ثمة شيء آخر يا دمشق؟ /غير ألوانك الشاحبة وورودك؟

وفواكهك المجففة بورق السيلوفان المخشخش! /شيء آخر غير الحلاق في كوخه المتخم بالمرايا!

في شارع باب توما غير الصبية على الناصية /مخاطبة المارة بروح صوفية

أتودّ تقليب صفحات قلبي المشرع؟ /غيّر خطك الذي أحب /ليس لأني لا أفهمه وحسب

غيّر القطة البرتقالية /أمام واجهة الصائغ الذهبية /أم تراها بجانب الكائن؟ /الكائن الأعلى

الذي يفتح صفحة اللسان ويتمتم عن الطائر ذي الجناحين المضيئين، ولا لون

عندما يغردان ويُضمّان ويفردان

من جانبها أكدت الشاعرة الكولومبية أنجيلا غارسيا على الروابط التاريخية ين اللغة العربية والإسبانية،مشيرة إلى أن وسائل الإعلام الغربية تحاول نقل صورة مشوهة عن سوريا، وأجملت مشاهداتها لدمشق القديمة ببعض الأبيات منها:

إني ههنا يادمشق /أبحث عن قصيدتنا /ومعي خارطة لاخطوط للحدود فيها

كنا قد عرفنا أسماءك وأريجك .. /سمعنا عن مآذنك وأبوابك المنقوشة

حين ترعرعت في أنطاكية المختلفة /أسمع كيف تعصرين الماء من الأيام

لتعطشك للإله /من بئر الخشوع والخوف

أنت أيضاً تشاهدينني في المرآة /نرى بعضنا وجهاً لوجه

فنتعرف معا على إرث الأطلال

في حين أكدت الشاعرة السورية هالا محمد أهمية هذه التجربة في الحوار بين الثقافات الإنسانية المختلفة في حضن مدينة دمشق القديمة وقالت في قصيدة لها بعنوان «كأني أدق بابها»:

صدّقتْ دمشقْ أنني سائحة /صدّقتْ أنني غريبة ..

عاملتني بلطف /يرشحُ من تاريخها

من ترحيبها بالغريب /من لمسها له

مداعبته /جس نبضه /ضلوعه /تاريخه

قدراته /حاجاته /لغاته ..

وحين يدخلُ في متاهات الغوايةِ /والضوءِ والظلّ

والشبابيكِ العتيقة /ذاكرة الياسمين

في قصائد عُشاقها /تلقي بهِ في الصدى

في صدى بردى /فيصابُ بالدوارْ

دوار حُبّها ..

من جانبه عبّر الشاعر السويدي لاس سوديربرغ عن الإحساس الذي راوده خلال تجوله في الشوارع الضيقة ومشاهدته للكنائس والمآذن ووجوه الناس في دمشق القديمة بقوله:

دمشق تزيد حبي بالخشب العتيق /بانبهارات من الشفق

فيركع قلبي في الخشب العتيق /دمشق تزيد حبي بالأبواب

التي لا تنفتح إلا للداخل /فيركع قلبي على عتبة أبوابها

دمشق تزيد حبي للّغة /بانبهارات من الشقق

المنفتحة فقط إلى الداخل /فيركع قلبي في اللغة

إن المآذن علامات تعجب /حيث لايوجد سوى السؤال

الاستماع إلى الآرامية /كالسير في شق وعر

بالكاد يرى /تمتزج الأديان القديمة بالجديدة

رجال يصلون إلى قبلة التلفزة /تساءل إله عن وجود الإنسان

من غير الوارد أن يوجد /إذ لاشيء يفنى .. كان يقول لنفسه

وهو يرتجف من البرد في الضباب الأبدي /لكني أتمنى أن يوجد إذ إنه هو فقط يحميني من العدم. فيما أكد الشاعر الأردني جريس سماوي على أهمية دمشق ومكانتها الحضارية والثقافية، ثم قرأ قصيدة كتبها خلال ورشة الشعر عبّر فيها عن إعجابه بقاسيون وبردى وياسمين الشام:

من على رأس «قاسيون» /أطلُّ على نقط الضوء

المدينة في سفحه امرأة /تتزينُ بالضوء

كمْ من بيوتاتها تشعلُ عبر النوافذ أحلامها !!

كم تطلُّ البناتُ على غبشٍ الليل منها /وتنتظرُ العابرين !!

عابرون على الشام مرّوا /وهي الاميرةُ

كلٌ رمى عند اقدامها سيفهُ وهداياه /كلٌّ رآها على عرشها

لم تبارحْهُ منذ تفتقت الأرضُ عن بردى/بردى مذ جرى وأفاض على الزرع

والياسمينُ يوزع أنسامه في فضاء من الشرفاتْ /شرفاتٌ من الياسمين يهيئن للعاشقات

الحييّاتِ تشكيلة الشعرِ /والياسمينُ نساءٌ تفوح أنوثتهن على الماء

واختتمت الأمسية بكلمة للشاعر أدونيس قال فيها: «المدينة، كل مدينة، تشبه وردة عطرها الثقافة ـ ثقافة الابداع ـ بخاصة الموسيقا وفنوناً تشكيلية، أدباً وفكراً، فلسفة وشعراً.. دون هذا العطر تتحول المدينة إلى وردة اصطناعية.. فالإبداع الفني ـ الفكري هو الذي يجسد هوية الشعب وهو الذي يفصح عنها الإفصاح الأكمل».

وعبر أدونيس عن سعادته بتكريمه من قبل دارة زرقان في مدينة دمشق «العالية تاريخا ورمزا»، مشيرا إلى أن «الذات لا تولد في مسقط رأسها وحده وإنما تولد كذلك في الآخر.. كأن الآخر طريق للإنسان لكي يصل إلى نفسه ولكي يحسن معرفتها».

دمشق ـ حسن سلمان