ضمن منبر الحوار المفتوح الذي يقام على مدار أيام معرض أبوظبي الدولي السابع عشر للكتاب؛ عقدت ندوة فكرية ضمن برنامج «لغة التسامح في أوقات التوتر» تحدث فيها الناقد المصري جابر عصفور والكاتب اللبناني جرجس تامر وقدمها الإعلامي السعودي تركي الدخيل.
وكما هي عادته؛ بدأ تركي الدخيل تقديمه للندوة بروحٍ مرحة حين قال: لا نريد أن يكون الحديث عن التسامح مجرد كذبة تتوافق مع هذا اليوم - مشيراً إلى كذبة نيسان- بعدها استلم حبل الحديث الناقد المصري جابر عصفور الذي أشار إلى أن العالم يعيش اليوم زمن «اللا تسامح» في ظل الحروب.
وأحال مصطلح التسامح إلى الترجمة الحديثة للكلمة الإنجليزية «Tolerance» وقدم عصفور قراءة تاريخية للمصطلح تعود إلى عام 1903 حين استخدمها لأول مرة في العالم العربي الكاتب اللبناني فرح أنطون حين جاء إلى الإسكندرية هارباً من الصراع الطائفي والعرقي الدائر في بلاد الأرز منذ ذلك الوقت، وكيف أن هذا المفكر اللبناني دخل في مناظرات مهمة مع الإمام محمد عبده على صعيد المنظومة الاجتماعية وطرق إدارة الحكم والدولة بين المنظورين الديني والمدني.
أشار جابر عصفور -انطلاقاً من قراءته السابقة لفكر فرح أنطون- إلى أن المفكر اللبناني دافع بشدة عن مبدأ التسامح ليؤكد حق الأقليات في الحياة ويبعد روح التعصب التي انتشرت بشدة في تلك الأثناء، وأضاف عصفور: لقد اشتق أنطون مصطلح التسامح من مصطلحات عصر التنوير الأوروبي الذي رافق عصر النهضة، واستخرجه لبناء علاقة صحية بين الأغلبيات التي لا تعترف في العادة بالأقليات الإثنية.
كما أنه دعا في نظرياته عن أنظمة الحكم؛ لرؤية الإنسان والمواطن باعتباره إنساناً بعيداً عن انتمائه أو عرقه، لأن الشمس تشرق على الجميع دون تفرقة، وعدم التمييز بين أبناء الجنس البشري هو الكفيل بإشاعة العدل والسلام وروح الأخوة في الأرض، وعانى فرح انطون الأمرّين بسبب رؤيته تلك، لأن محيطه في الثقافة العربية لم يكن معنياً كثيراً بهذه الرؤية، ولكن المصطلح بدأ يتردد مجدداً في أوساط النخبة العربية المثقفة في ظل الصراع الدائر في العالم الآن.
ورغم أن هذا المصطلح قد لاقى معارضة ونقداً كبيراً باعتباره معنياً في جوهره يؤصل لنظرة فوقية بين المجتمعات، بمعنى أن القوي يعفو ويصفح عن الضعيف من منطق الفوقية، فقد دعت المدارس الثقافية الناقدة والمهتمة بالمصطلح إلى إيجاد علاقة متوازنة تقترب من الحوار والقبول باختلاف الآخر وإنشاء الحوار بين أفراد المجتمع الواحد باعتبارهم سواسية لا امتياز بينهم.
ثم تحدث الكاتب اللبناني جرجس تامر عن مفهوم التسامح بالمعنى المفاهيمي، وانتقل تامر في رحلة إغريقية تعود بالمصطلح إلى آلاف مؤلفة من الزمن، ولخص المتحدث تعريفه للتسامح بوصفه «موقف يتخذه فريق قوي نحو فريق أضعف، وهما في نفس النسق الاجتماعي باختلاف الرأي، بما يعني أن طبيعة العلاقة بين الطرفين غير متكافئة».
وأضاف تامر: ما أن يذكر لفظ التسامح حتى تكون الأديان الثلاثة حاضرة بقوة، باعتبار أن أتباع هذه الديانات يرون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، مما دفع بعض الفلاسفة الغربيين إلى اعتبار «التسامح» تعجرفاً لأنهم ينظرون بفوقية للآخر كما يرى الفيلسوف الألماني «كانت» بينما يرى «غوته» اعتبار «التسامح» مرحلة فكرية عابرة يجب أن تصل في النهاية إلى الاعتراف بالآخر كما هو، وأعتقد أن نظرة «غوته» هو ما يجب أن يكون الأمر عليه كي يعم الخير والسلام بين البشر.
وختمت الندوة بحوار بين الجمهور والمتحدثين أجمع فيه الحاضرون على أهمية إشاعة روح السلام في زمن الصدام، وأن النخبة المثقفة في جميع أرجاء العالم تتحمل العبء الأكبر من إشاعة ثقافة السلام.
بين الشرق والغرب
أما الندوة الثانية ضمن فعاليات مساء اليوم الثاني للمعرض فشهدت لقاء الروائية اللبنانية هدى بركات بمترجمة أعمالها ميرلين بووث، أدار اللقاء والنقاش الكاتب العراقي الأصل صامويل شيمون، حيث أكدت بركات على أهمية الترجمة باعتبارها إعادة نتاج للنص، وأشارت إلى أن الترجمة للغات الأخرى من العربية يستلزم الدخول في روح النص واللغة العربية معاً، وبدأت الروائية اللبنانية الجلسة بقراءة الفصل الأول من روايتها «أهل الهوى» أعقبتها بقراءة للنص من الترجمة الإنجليزية.
ووصفت هدى بركات المترجمة ميرلين بووث بشقيقة روحها، في ترجمتها لروايتيها «حارث المياه» و«أهل الهوى» لأنها استطاعت التوغل في مشاعرها وأفكارها والتعمق في روح الرواية وكأنها كانت تشاركها خيالها الإبداعي في الكتابة، وأوضحت بركات أن كتابتها عن الحرب ترجع إلى شمول تلك الحرب -الحرب الأهلية اللبنانية- لكامل وعيها، وأن كتاباتها الروائية تحاول فهم فلسفة وواقع وأسباب العنف الإنساني خارج إطار الجغرافيا الذي تدور حوله أحداث رواياتها.
من جانبها اتفقت المترجمة بووث مع بركات على أن ما يصل بالنص المترجم إلى ذروة الإبداع هو المدى الذي وصل إليه المترجِم في استلهام روح النص، واعترفت المترجمة الأميركية بالتناقض الجاري في أميركا من عدم التزام دور ترجمة كبرى بالنصوص كما هي وتجييرها لصالح اتجاهات معينة مقابل التزام مهني وأخلاقي كامل من قبل دور ترجمة صغيرة تضع أخلاقيات وأمانة الترجمة فوق الكثير من الاعتبارات.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري