حين يحضر محمود درويش يأتي مستنداً على تاريخه الشعري، الممتد على مدى عقود، وفي هذه العقود تربى جيل على أشعاره، واختزنت الذاكرة قصائده التي ضمتها الدواوين التي حملت عناوين مختلفة فمن العصافير تموت في الجليل، إلى لماذا تركت الحصان وحيداً، ولا تعتذر عما فعلت، وغيرها الكثير من القصائد التي تختزل معاناة الشعر الفلسطيني، ولهذا لقب بشاعر المقاومة، لينتقل بعدها إلى أشعار متشبعة بفلسفته العميقة عن الحب والوطن والحياة، مما يمنح قصائده الخلود لأنها تحاكي الناس في هذا الزمن، وفي كل الأزمان القادمة.
وفي أمسيته التي أقيمت مساء أمس الأول على المسرح الوطني في أبوظبي، بحضور سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، وعدد كبير من المسؤولين والأدباء، وحشد غفير من الجمهور الذي جذبه الإعلان عن أمسية درويش، قدمه الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ قائلاً:
«كيف لي أن أقدم رجلاً يكتب بأظافر روحه، أرخ للنفي العربي على مستوى الزمان، والمكان، وكأنه يسطر أسطورة شتاتنا في قصائد تشبه الملاحم، محققاً اختزال المعاني بقصائده، مهذب وفاضح، فوضوي ويرتب أفكاره، وبين يديه تتحول الجغرافيا إلى مراكب تهدي التائهين».
كما أشار الصايغ «ميزة محمود درويش إنه شاعر هجر السياسة، إلى الشعر، ومن الشعر إلى الشعر الخالص، وقدم لنا صورة جديدة، ومغايرة، ولم يتخل عن هدوئه وشغفه في الحياة، فصارت القصيدة أكثر صداقة وألفة، وغادرت من المدرسية والنمطية، إلى اللا مدرسية، واللا نمطية».
ومن وسط حماس الجمهور، وتصفيقهم صعد محمود درويش إلى المسرح، ليبدأ قراءاته الشعرية بفصل عن الحنين قال:
الحنين مسامرة الغائب للغائب
والتفاف البعيد إلى البعيد
الحنين عطش النبع إلى حاملات الجرار
والعكس أيضاً صحيح
إلى أن يصل للقول:
الحنين عجوز ما زال يحبو
الحنين هو التزوير البريء للوثائق.
وانتقال درويش من قصيدة إلى أخرى كان سهلاً مشبعاً بروحه، محكماً بإلقائه الذي يتميز به في كل أمسية جديدة قال في قصيدته الثانية:
وأنت تعود إلى البيت بيتكم
فكر بغيرك لا تنسى شعب الخيام
وأنت تنام وتحصي الكواكب فكر بغيرك
ثمة من لم يجد حيزاً للمنام
وأنت تحرر نفسك بالاستعارات فكر بغيرك
من فقدوا حقهم في الكلام
وقصيدته هذه جاءت من ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد» كما قرأ منه قصيدة
«لوصف زهر اللوز» قال:
ولوصف زهر اللوز لا موسوعة الأزهار
تسعفني ولا القاموس يسعفني
سيخطفني الكلام إلى أحابيل البلاغة
والبلاغة تجرح المعنى وتمدح جرحه
كمذكر يملي على الأنثى مشاعرها
وتمتد الكلمات إلى أن يختم الشاعر قصيدته بالقول:
لو نجح المؤلف في كتابه مقطع
في وصف زهر اللوز لا نحسر الضباب
عن التلال وقال شعب كامل هذا هو
هذا كلام نشيدنا الوطني
كما قرأ قصيدة «في البيت أجلس وحيداً» وتتوالى القراءات إلى أن انتزع من الجمهور حماسهم وتصفيقهم الحار، حين قرأ مقطعاً من قصيدته «الحصار» إذ قال:
حاصر حصارك لا مفر
سقطت ذراعك فالتقطها واضرب عدوك بي
فأنت الآن حر وحر
ومن الملفت في أمسيته التي لم تتعد الساعة من الزمن، أن الكثير من قصائده الحارة قد غلفت بقصص الموت الباردة قال:
لم يسألوا ماذا وراء الموت
كانوا يحفظون خريطة الفردوس
وقال:
الموتى سواسية أمام الموت،
وقال:
مثلما سار المسيح على البحيرة سرت في رؤيتي
لكني نزلت من الصليب
لأني أخشى العلو ولا أفكر بالقيامة
وبعد ختامه بقصيدة عدد فيها حروف اسمه مرتبطة مع الكثير من المعاني لم يطالبه الجمهور بإلقاء قصائد قديمة، كما يحدث في بعض الأمسيات، وهذا ما يؤكد جماهيريته التي تتجدد، ورؤيته العميقة التي تصل للناس حباً ووطناً، يتبدد بكل تضاريسه كلمات وصور تختزنها الذاكرة، إنه درويش شاعر يرسم بالكلمات، وهذا ما جعل الكثيرين يدافعون بعد انتهاء الأمسية لمصافحته، بعد أن صافحت أشعاره قلبهم وروحهم.
أبوظبي ـ عبير يونس
