منذ زمن عتيق، عتق النقاء الأزلي ومنابع الضوء، كانت تعيش في قلب الصحراء، تغتسل في الصباحات الباكرة بقطرة ندى، وتجففها بنعومة مفرطة خيوط الدفء المنبعثة من باب الشمس، تتدحرج من عل مع هبوب النسيم بحيوية وغبطة لتتقاسم مع حَبيباتها حُبَيْبَاتها ظلال التدرجات وتبادل الأمكنة.. وفي الظهيرة حين تعلن سطوة اللهيب عن حالات الكسل القصوى، تختزن حرارة السكينة لبرودة الليل..
ومع أولى تنهدات المساء تتداخل بانعكاسات ألوان الغروب المفعمة بالتألق لتشكل مع امتدادات الآفاق البعيدة لوحة جديدة لاتتكرر لرمال الصحراء الطاهرة.. وفي يوم من الأيام كانت عند أصيل مشاكس تلعب مع حُبيباتها لعبة تضليل الباحثين عن الماء ضمن سراب متتال يلمع بأسئلة الأمل والخيبة، فهبت عاصفة هوجاء حملتها إلى حيث لا تدري، ترفعها تارة وتنزلها أخرى، تقربها من رمال جديدة وتبعدها عنها، تدخلها بدوامة الشعور بالوحشة وتعيدها إلى ذاكرتها الجمعية في رحلة غريبة عجيبة للكثبان، عاصفة لا تشبه أبدا تلك التي كانت تحملهم في رحلة خلوية إلى مرابع المراعي وإطلالات الواحات.
حيث يستحمون بماء الينابيع ويستظلون بأشجار النخيل وخيم الشعر، رحلة مرعبة يتعاقب فيها الليل والنهار دون سابق إنذار، رحلة استمرت طويلا لتصل بهم إلى تلة مسورة بالحيطة والحذر، تطل على أضواء مبهرة وأبراج شاهقة وضجيج ... آه إنها المدينة التي كان الرعاة يتحدثون عنها ما أجملها ! هل تتسع المدينة لرمال الصحراء؟
شعرت بالوحدة من كثرة تخيلاتها وأبعاد أسئلتها، التصقت بحبات كانت بقربها وغطت بنوم عميق لتستيقظ بعد سويعات مذعورة على أصوات تتداخل بين هدير البحر وصرير الآلات وأزيز المجهول! أصوات لا تعرف من أين مصدرها، تصم المسامات وترجّ اليابسة.. تلفتت حولها متسائلة : أين الندى؟ هل تأخرت في النوم فاستحمت كل الرمال دوني؟ نظرت إلى السماء : ماهذا؟ غيوم سوداء لاتمطر؟ وماهذه الروائح الكريهة؟ هل هي دخان المصانع أم عوادم السيارات أم بقايا الغازات وتقيح الرصاص، أم ماذا..؟
هل لأنفاس بيوت المدن روائح مغايرة؟؟ آه.. أين رائحة الخزامى والنسيم العليل في الصباحات الندية؟ أين صوت الحادي الشجي وحفيف أوراق النخيل؟ أين السماء الصافية حيث كنا نعدّ النجوم ونحتك بحُبيباتنا كي تطلع لنا حُبيبات جديدة؟ أين أنا؟ أين نحن الآن؟
اقتربت أكثر من حبة رمل شاركتها بداية التشكل وهموم الرحلة الكثبانية الشاقة، وحدثتها هامسة :
ـ انظري إلى هذه الحُبيبة الملتصقة بزميلاتنا هناك، إنها تشبهنا ولاتشبهنا، لماذا؟
بعد تأمل تشوبه الحسرة والحيرة قالت لها بصوت مرتفع:
ـ إنها من الغبار
ـ من الغبار؟! وهل ثمة فوارق بين الرمل والغبار؟
ـ لا أدري، ربما هي رمال لا تغتسل بالندى
ـ هل سنتحول إلى غبار إذا حملتنا الريح إلى قلب المدينة؟
ـ لا أدري
ـ لكن ثمة غبار في الصحراء أليس كذلك؟؟
ـ لا، لا توجد غبار في الصحراء
ـ هل تذكرين حين شكلنا معا «مزون» وردة الصحراء؟
ـ نعم أذكر
ـ ألم تحط عليها الغبار صباح اليوم التالي؟
ـ نعم، نعم، ولكن ياعزيزتي تلك الغبار تسمى غبار الطلع
ـ وما الفرق بين الغبارين؟
ـ لا أدري!؟