استمرت لليوم الثاني فعاليات وأنشطة معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته السابعة عشرة، وكان الحضور المميز للقراء الأطفال هو المشهد المسيطر على اليوم، وبحركاتهم النشطة وانتشارهم الكثيف؛ سيطر ملائكة الأرض على ردهات وأجنحة المعرض بكل أقسامه ـ التي تخصهم والتي لا تخصهم ـ وكأنهم يقولون «ليس هناك كتب خاصة بالكبار، وأخرى للأطفال، فجميعها لنا.. لأننا نحن بذرة الحياة بحاضرها ومستقبلها».
ويبدو من الحركة النشطة للأطفال أول بوادر نجاح الجهد المتخصص لبرنامج القراءة المشتركة الذي أعدته اللجنة المنظمة في هذه الدورة، نعم؛ كان هناك غزو لمعرض الكتاب، لكنه غزو محبب إلى النفس، خصوصاً وأن الأطفال قد اقترحوا إقامة معرض لكتب الأطفال يكون منظموه وزائروه من الأطفال فقط، وبمعنى آخر يمنع يكتب على بوابته الرئيسية «يمنع الدخول لما فوق 14 سنة».
أثناء تجوالهم في أروقة المعرض؛ وما أن علموا بتمثيلنا لجريدة «البيان» التف الأطفال حولنا يريدون الحديث، وكأنهم كانوا ينتظرون من يسألهم فيجيبوا، قبل حديث الأطفال، أبدت إحدى المعلمات من المدرسة الظبيانية عن سعادتها ودعمها لتجول الاطفال وزيارتهم لمعرض الكتاب، واستدركت غادة محمد قائلةً: رغم دعمي وتشجيعي للأطفال للقراءة وزيارة المعرض، إلا أن ما ساءني وأحزنني هو اتجاه الأطفال إلى شراء واقتناء الملصقات والصور والألعاب المعروضة منذ بدء الجولة، وعدم اهتمامهم بالكتب التي تحمل الفائدة المعلوماتية.
كانت إجابات بعض الأطفال عن الأسئلة التي وجهت إليهم تدعو للضحك والبكاء في آنٍ معاً، فنجيب محفوظ «مطرب» وعباس العقاد «لاعب كرة» وغاليليو «مركز تسوق» ولا نريد ذكر ما قاله الأطفال عن بعض الكتاب المحليين خشية الزعل والعتب وسوء فهم الموضوع بدأنا مع الطفلة «سارة» التي قالت أنها تهتم بقصص الأطفال والشخصيات المقربة إليهم: كونارد، همتارو، هاري بوتر وباربي.
وحين سألناها عن «حي بن يقظان» و«ابن بطوطة» و«السندباد» أجابت عن الأخير فقط بأنها شاهدته في إحدى المحطات على شكل أفلام كارتون، أما الطفلة رهف إبراهيم فأبدت حباً غير عادي لشخصية «هاري بوتر» الخيالية، وقالت إنها جذبتها عن طريق الفيلم السينمائي الشهير، وتمنت على المنظمين استمرار المعرض لأطول فترة ممكنة لأنها تود الحضور هي وزميلاتها مرات عديدة.
إن مَلَكة القراءة تتشكل لدى الطفل من محيطه، وأول أطواق هذا المحيط هي العائلة، ولئن كانت مقولة المثل الصيني القديم «بيت بلا مكتبة كشمس دون ضياء» فإن أغلب الأطفال الذين تواجدوا في معرض الكتاب أجمعوا على عدم وجود مكتبات في منازلهم (بمعناها الحرفي) ولكن ما يبشر بالخير هو أن هؤلاء الأطفال أكدوا على امتلاكهم مكتبات شخصية صغيرة تخصهم بدأو تجميع موادها ويساعدهم المعرض على تنميتها.
ووجهت الطفلة شمّة محمد الدرمكي عتبها للجنة المنظمة لعدم وجود «كافيتريا» للأطفال لأن الكبار زاحموهم في الجلوس عند الكافيتريا الموجودة في المعرض (الخاصة بالزوار) كما دعت الدرمكي إلى إقامة معرض لكتب الأطفال يكون القائمون عليه وزواره من الأطفال فقط، لأنهم وكما تعتقد قادرون على التفاهم فيما بينهم دون تدخل الكبار.
وربما وجد هذا الاقتراح آذاناً صاغية لدى الجهات المعنية، وحين سألناه عن إحدى الشخصيات العربية التي نالت جائزة «نوبل» أجابت ببراءة: لا أعرف «نوبل» ولا أعرف من أخذها.، ولكنها عقبت قائلة: يعجبني الشعر النبطي، وتابعت شاعر المليون وأعرف جميع شعراءه، كما أني أعرف أمير الشعراء أحمد شوقي، لأننا نأخذ قصائده في المنهج الدراسي.
ودفعاً لموضوع الأطفال والقراءة باتجاه المتخصص؛ التقينا أسامة المهدي من شركة «سفير» المصرية للنشر التي تعتبر أكبر الدور المهتمة بكتب الأطفال على مستوى العالم العربي، حيث أكد أن التطور التكنولوجي الجاري في العالم وتأثيره على الأجيال الحالية من حيث تلقي المعلومة، أدى إلى تراجع اقتناء وشراء الكتب من قبل شريحة مهمة من القراء (الأطفال) وأكد المهدي أن اعتناء ودعم الحكومات الأوروبية لدور النشر الخاصة بالأطفال، وعدم وجود مثل هذا الدعم في الجانب العربي، أدى إلى تفوق كتب الأطفال الأجنبية على نظيراتها العربية.
وما جرى لسلسلة «هاري بوتر» هو أحد أسطع الأمثلة على ذلك، كما أن العناية التقنية الفائقة والطباعة المكلفة التي تقدم بها كتب الطفل الأجنبية مقارنة بالكتب العربية التي تطبع طباعة سيئة ولا يراعى جودة الورق أو الرسوم، أدى إلى عزوف الطفل العربي عن القراءة للكتب العربية واتجاهه للكتب الأجنبية التي تحمل بين طياتها مخاطر أقل ما يقال عنها بأنها مخاطر فكرية وأخلاقية تنعكس لاحقاً على هذا الطفل الذي سيكون يوماً قائد المستقبل.
أبو ظبي ـ محمد الأنصاري