ألقى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حفظه الله، مساء أمس باليونسكو في العاصمة الفرنسية باريس الرسالة الدولية بمناسبة يوم المسرح العالمي الذي يحتفى به سنويا في هذا اليوم منذ عام 1962

وتم اختيار سموه لعرض أفكاره وتأملاته حول قضايا المسرح والسلام بين الشعوب هذا العام نظرا للتقدير الكبير الذي تلقاه شخصية سموه في الأوساط الثقافية والمسرحية العربية والدولية وما أحدثه سموه من تأثير عميق في مضمون الرسالة الإنسانية والثقافية والتربوية للمسرح.

وفيما يلي نص الرسالة التي ألقاها صاحب السمو حاكم الشارقة وسط تصفيق حاد من الحضور.

«المسرح، هذا العالم الساحر، تعرفت عليه عشقاً وحباً منذ نعومة أظافري عندما انجذبت إليه تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً من خلال المراحل الدراسية الأولى، كانت البداية بداية عفوية لم أحملها أكثر من كونها نشاطاً مدرسياً يغني الروح والعقل، ولم أدرك جوهره الحقيقي

إلا عندما تصديت لتأليف وإخراج وتمثيل عمل مسرحي سياسي أغضب السلطة حينها، فقامت بمصادرة كل ما كان في المسرح وتم إغلاقه أمام عيني، فما كان من روح المسرح، لدى مشاهدتها العساكر بأسلحتهم، إلا أن تلجأ وتستقر في الوجدان، حينها أدركت قوة المسرح وجبروته، وبخاصة في مواجهة من لا يتحمل الرأي الآخر، وتيقنت من الدور الخطير الذي من الممكن أن يلعبه المسرح أو يقوم به في حياة الشعوب.

ثم تجذر هذا الإيمان وتعمق في وجداني طوال سنوات دراستي الجامعية في القاهرة، من خلال ما نهلت من كل ما كتب عن المسرح وما شاهدت من عروض بكل أنواعها، كما تعمق هذا الوعي في السنوات اللاحقة من خلال متابعاتي للمسرح الأوروبي بشكل عام، والمسرح الإنجليزي خاصة إبان مواصلتي دراساتي العليا.

ومن خلال قراءاتي في المسرح منذ عهد الإغريق حتى يومنا هذا أدركت السحر الكامن في عوالم المسرح في سبر أغوار النفس البشرية ومكنوناتها، وفتح المغاليق التي تحتويها، مما رسخ لدي قناعة واسعة أن المسرح بوصفه هذا يشكل عامل توحد إنسانياً يستطيع من خلاله الإنسان أن يغلف العالم بالمحبة والسلام،

ويفتح آفاق حوارات بين مختلف الأجناس والأعراق والألوان على اختلاف معتقداتهم الإيمانية، فكان عاملاً مضافاً لي في تقبل الآخر على ما هو عليه، وأدركت أن الخير يوحد البشر، وأن الشر يفرقهم. فإذا كان ناموس المسرح قائماً على صراع الخير والشر في جوهريهما إلا أن طبيعة الإنسان السوية في الغالب الأعم ميالة ومنحازة إلى جانب الخير.

الحروب التي حاقت بالبشرية منذ قديم العصور بواعثها مكنونات شريرة لا تقدر الجمال. والجمال المكتمل لا يتوفر في فن من الفنون بقدر ما هو عليه في المسرح، فهو الوعاء الجامع لكل فنون الجمال، ومن لا يتذوق الجمال لا يدرك قيمة الحياة.

والمسرح حياة، فما أحوجنا اليوم إلى نبذ كل أنواع الحروب العبثية والاختلافات العقائدية التي تؤجج من دون وازع من ضمير حي، ومشاهد العنف والقتل العشوائي تكاد تغلف المعمورة بأسرها، مصحوبة بهذه الفوارق الشاسعة بين غنى فاحش وفقر مدقع، بين أجزاء من العالم منكوبة بأوبئة لا تتضافر قوى الخير من أجل القضاء عليها كأمراض الإيدز وغيرها من الأوبئة المستوطنة، إلى مشكلات التصحر والجفاف في ظل انعدام الحوار الحقيقي مع بعضنا بعضاً من أجل العالم الذي نعيش فيه مكاناً أفضل.

يا أهل المسرح، إن عاصفة قد حلت بساحتنا من شدة ما يثار حولنا من غبار الشك والريبة، حتى كادت أن تحجب وضوح الرؤية لدينا، وأصواتنا لا تصل آذان كل منا من كثرة الصراخ والفرقة التي تباعد بين الشعوب، وتكاد العاصفة تطيح بنا لتبعدنا عن بعضنا لولا إيماننا الراسخ بدور المسرح القائم على الحوار أصلا.

إذا، لا بد لنا من التصدي والتحدي لمن ينفخ في تلك الأبواق لإثارة تلك العواصف، ليس لتحطيم هذه الأبواق، ولكن بالنأي بأنفسنا عن تلك الأجواء الملوثة، وتكريس جهودنا بالتواصل وإقامة علاقات المودة مع المنادين بالتآخي بين الشعوب. نحن كبشر زائلون، ويبقى المسرح ما بقيت الحياة».

يذكر أن اليوم العالمي الذي أنشئ عام 1961 بمبادرة من المعهد الدولي للمسرح وهو منظمة غير حكومية تربطها باليونسكو شراكة رسمية يحتفي باليوم العالمي عبر العالم في السابع والعشرين من مارس من كل سنة ويدعو المعهد بهذه المناسبة شخصية معروفة بخصالها الفكرية والروحية لتعرض أفكارها وتأملاتها حول قضايا المسرح والسلام بين الشعوب وتقام عدة تظاهرات مسرحية احتفاء بالرسالة الدولية لليوم العالمي للمسرح التي تذاع

وتقرأ في المسارح في كل أنحاء العالم ومن المعروف أن 41 شخصية ألقت الكلمة منذ عام 1962 وكان جان كوتو الشاعر والمسرحي الفرنسي الشهير هو مؤلف أول رسالة دولية لليوم العالمي للمسرح كما يذكر أن صاحب السمو حاكم الشارقة هو الشخصية العربية الثالثة التي تلقي الكلمة بهذه المناسبة حيث كانت البداية مع الكاتب السوري المسرحي الراحل الكبير سعدالله ونوس، ثم الكاتبة المصرية الكبيرة فتحية العسال.

وتم خلال الحفل عرض فيلم وثائقي عن الشارقة تناول النهضة الشاملة التي تشهدها الشارقة في كافة المجالات وبحجم المشاريع الطموحة التي تم تنفيذها مما جعل من إمارة الشارقة عاصمة للثقافة العربية حيث أبدى الحضور إعجابهم بمدى التطور الحضاري الثقافي الذي حققته الشارقة.

ثم تفضل صاحب السمو حاكم الشارقة بعد ذلك بتسليم المسرحي الكبير سعد اردش من جمهورية مصر العربية جائزة الشارقة للإبداع المسرحي، مشيدا سموه بالفنان الفائز وبمشواره الفني مبدعاً ومخرجاً وممثلاً وباحثاً والجائزة تمنح سنويا لأحد أبناء الأمة العربية من المحيط إلى الخليج

وذلك تقديرا وتحفيزا للمبدعين المسرحيين العرب الذين قدموا إسهامات جليلة في سبيل تطوير وازدهار المسرح على مستوى أوطانهم والوطن العربي الكبير وتبلغ قيمة الجائزة 25 ألف دولار كما يمنح الفائز بهذه المناسبة شهادة خاصة ودرعا.

وفي ختام الحفل حضر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بعد ذلك حفل الاستقبال الذي أقيم بالمطعم الرئيسي في اليونسكو على شرف سموه بهذه المناسبة.حضر المناسبة عبد الله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة وسيف سلطان العرياني سفير دولة الإمارات في فرنسا

وعدد كبير من رجال الثقافة والمسرح من كل دول العالم، إضافة إلى ضيوف الشارقة المدعوين في حفل اليوم العالمي للمسرح من المسرحيين المحليين في دولة الإمارات ومسرحيين عرب من جمهورية مصر العربية والمملكة المغربية والجمهورية التونسية والجمهورية الجزائرية وجمهورية السودان والجمهورية العربية السورية

وجمهورية العراق ودولة فلسطين ودولة الكويت والجمهورية اللبنانية والمدعوين من المكتب التنفيذي للهيئة العالمية للمسرح ومدعوين بهذه المناسبة مثل الفنانة الكبيرة سميحة أيوب والفنان المسرحي الكبير الدكتور احمد عبد الحليم والفنانة الكبيرة عايدة عبد العزيز من جمهورية مصر العربية والمخرج المسرحي الكبير محمد المنصف السويسي من الجمهورية التونسية وسفراء الدول العربية والأجنبية المعتمدين في باريس وحشد ضخم من وسائل الأعلام العربية والعالمية المقروءة والمسموعة والمرئية.