مدينة المدن، وأغنية ومقام، كلما ذكر المتنبي، أو سيف الدولة ذكرت حلب، والعكس أيضاً، ولا نحتاج لأن نسميها عاصمة ثقافية، بل ينبغي أن تتشرف الثقافة باسمها، ألا يقول ابنها مفتخراً بنفسه وعلو نسبه:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي
إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشداً
فسار به من لا يسير مشمراً
وغنى به من لا يغني مغرداً
كل ما في حلب يتكلم، منابرها ومساجدها، قلاعها، أسواقها، أزقتها، حجارتها التي تروي قصصاً تمتد آلاف السنين، وحكايات عن غزاة عادوا خائبين، وحضارة استوعبت كل حضارات الكون، لتعطي حضارة متميزة، وعدداً من مبدعين لا يحصون في كتب التاريخ، ولا نستطيع حصرهم من المعاصرين لكثرتهم وتفوقهم.
حلب عاصمة الثقافة الإسلامية !!
بعض المدن لا تحتاج إلى تعريف، وحلب في الصدارة هي مقام موسيقي وأغنية تنشد عبر قرون وقلعة عرفت عبر مئات السنين، تاريخ وحضارة بل حاضرة الأمة.
قلعة حلب ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان.
في قلبها إيقاعات حضارية، التل المركزي للمدينة القديمة كان معبداً لعدد من الآلهة مثل (حدد، وسين، وعشتار، وهبيت)، ثم جاء الرومان والبيزنطيون، ثم أصبحت القلعة حصناً وإقامة لسيف الدولة الحمداني، ثم مقراً للدولة المرداسية التي جاءت على أنقاض الدولة الحمدانية وامتدت من الفرات حتى طرابلس، ثم كانت مقراً للسلاجقة.
هاجمها هولاكو عام 1259م، ومن ثم تيمور لنك.
قلعة حلب في قلب كل مدينة عربية على امتداد هذا الوطن الذي يمتد من الماء إلى الماء، هي قلعة بلاد الشام، وأهميتها أنها الدرع الأول لكل البلدان الأخرى، وقد صدق عماد الدين الزنكي يوم قال «لو سقطت حلب بيد الفرنجة لما بقي من بلاد الشام شيء في أيدينا».
إذا كانت حلب متراساً لكل مدن الأمة فإنها تفتح أبوابها لكل الذين يقصدونها، وعلى القادم لها أن يختار باباً من أبوابها، تحتار من أي باب تدخل، «باب العراق» أم «باب أربعين» أم «باب الفرج» وهل ستدخل من بوابة الفاتحين باب انطاكية، أم من باب الحياة، أم باب الحديد، أم ستضطر تتغنى بجمال قنسرين من بابه إلى محرابه، وهل ستهتف للمنتصرين عند بوابة النصر، وتقرأ الفاتحة عند مقام الخضر عليه السلام، أو مقام القديس جرجس، ولا أدري إن كنت ستعبر القنطرة من باب المقام يوم كان الخندق مملوءاً بالماء ويحيط بالقلعة.
ومثلما لحلب أبواب لا تعد ولا تحصى، فلها أسواق ما زال بعضها قائماً وشاهداً على كل العصور التي مرت بهذه الشهباء، وهي مدينة تجارية معروفة عبر التاريخ وأهلها امتازوا بذكاء مفرط وقدرة استثمارية تطورت بتطور وسائل الإنتاج والتجارة، وفي هذه الأسواق ستجد كل التخصصات المهنية مثل سوق الزرب، سوق العطارين، سوق العبي، سوق الصابون، سوق السقطية، سوق الحلوانية... الخ.
عبر كل المئات من السنين كان الإبداع الحلبي في كل فنون الإبداع أدباً وفناً في مقدمة المبدعين، وفي التاريخ الحضاري العربي الإسلامي نجد الأعلام الكبار ينتمون إلى حلب أو ربما حلب تنتمي لهم مثل المتنبي، والمعري الذي جاء من المعرة على حدود حلب، وسيف الدولة، وصلاح الدين الأيوبي، وغيرهم كثيرون، جداً.
وإذا كان المجد يشهد لها عبر تاريخها، فهي في حاضرها ينبوع عطاء عبر أعلام لم نصنفهم أو ننسبهم لها رغم أنهم أبناء لها مثل: ميادة الحناوي، فائزة أحمد، سعاد حسني، نجاة الصغيرة، وابنها الكبير صباح فخري الذي ختم احتفالات حلب عاصمة الثقافة الإسلامية في حفل غنائي ساهر حتى الفجر، أعطى من فنه وحبه وإبداعه كل ما يملك هدية إلى مدينة المدن، وعروس الثقافة، حلب الشهباء.
abdulelah_q@hotmail.com