الحديث عن المناصب الرياضية يجدد نفسه عند التغيير أو الإضافة، أو عند «ثورات الشارع الرياضي»، وفي الرياضة كما في السياسة توجد «سلطة ومعارضة»، والمعارضة تنقسم إلى قسمين، واحد يعمل في العلن، وآخر يعمل في السر حسب طبيعة كل مجتمع ونظامه. «السلطة والمعارضة» يعلنان العمل من أجل المصلحة العامة، وكل طرف له زاوية نظر خاصة تختلف عن الآخر..

كرسي الرئاسة في الوسط الرياضي يحتاج إلى الشخصيات التي تجد في نفسها القدرة على إدارة المكان بصورة جيدة وتوظيف عناصره توظيفاً إيجابياً، لكن الكرسي قد لا يكون قريباً من متناول مثل هذه الشخصيات لأسباب عدة، منها ما تفرزه صناديق الاقتراع ومنها ما يفرزه الاختيار. في بلادنا الحبيبة يختلف العمل الإداري في القطاع الرياضي، وهو أيضاً موروث عن قيم وتقاليد وثقافة مجتمع، لذا تبقى أمورنا وحكاياتنا تختلف عن الآخرين الذين يعملون باحترافية عالية منذ عقود طويلة، ويكمن الاختلاف عن الآخرين في أن العاطفة تتحكم في عملنا في أغلب الأحيان، وهي ليست بالضرورة سلبية كما يرى البعض، أو أن نتائجها غير مقبولة دائماً، بل في بعض الأحيان تأتي بنتائج طيبة، عندما يقف إلى جانبها ويسندها ويعزز قوتها التخطيط السليم والمسؤول المخلص المبدع القادر على «الشغل والتشغيل».

الحديث عن «السلطة والمعارضة» في العمل الرياضي حديث طويل لو أردنا الإبحار في أعماقه، ولأننا لا نحبذ استخدام كلمة «السلطة» في أحاديثنا هنا، إلا أننا نجد ما يتطابق مع حالة «السلطة والمعارضة» في الرياضة، فالمسؤول الإداري يعمل ويتصرف بطريقة تختلف عما لو كان خارج المسؤولية إلا في ما ندر. عندما يكون الفرد في وسطنا الرياضي في موقع المسؤولية يحاول أن يبذل ما يستطيع من أجل تحقيق ما يسعى اليه، فتتغير لغة الخطاب عنده ويصبح المدافع الأول عن عمله وعمل زملائه، ويحاول طمس آثار الأخطاء، في حين يكون من أشد المنتقدين للعمل نفسه عندما يبتعد عن كرسي المسؤولية، ولكن لكل قاعدة استثناء.

بقاء طويل

يحاول الكثيرون أن يبقوا على كرسي المسؤولية أطول فترة ممكنة في حالتي النجاح أو الفشل، فالناجح يحاول تحقيق نجاحات جديدة والفاشل يحاول أن يودع مرحلة الفشل بإنجاز حيوي فضلاً عن وجود حالات مختلفة تتراوح بين هذا السبب أو ذاك.

مفاجأة وإن لم تكن!

جاء اعتذار معالي محمد القرقاوي وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء عن عدم الاستمرار في مهمته في النادي الأهلي بمثابة درس بليغ يجب أن تُقرأ كل سطوره ومفرداته ومعانيه، وأن يوضع على طاولة النقاش طويلاً، لأسباب عدة، أهمها أنه جاء من مسؤول نهل من مجالس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.. نهل الكثير، وهذا «المنهل» كفيل بتغذية العقل بكل ما هو مفيد للوسط الذي يؤثر ويتأثر به الفرد مسؤولاً كان أم موظفاً عادياً أم متطوعاً.. لذا عندما اعتذر معالي القرقاوي عن عدم الاستمرار في مهمته الرسمية الأهلاوية، قدم درساً واضحاً في أن يعلن للجميع أنه «مسؤول ومعارض» في وقت واحد.. مسؤول عن مجلس إدارة نادٍ عريق له إنجازات عدة وهو قلعة ثقافية معروفة بعطائها، ومعارض لأنه أول من مارس المعارضة ضد نفسه فأزاحها من مهمتها الرسمية على الرغم من رغبة الكثيرين ببقائه.

شجاعة وثقة

عندما توجه التهم إلى أي متهم يحاول جاهداً الدفاع عن نفسه ويسعى لاستخدام كل الأساليب التي من الممكن أن تساعده على إثبات براءته، لكن معالي القرقاوي قدم نفسه «مسؤولاً» لنفسه «معارضاً وقاضياً» وقدم لائحة الاتهام بعدم إعطاء النادي حقه بسبب مسؤولياته الكبيرة الأخرى في مجلس الوزراء وبعض المهام الرسمية. فكان صريحاً مع نفسه ومع الآخرين ليضرب مثلاً رائعاً في الوضوح والشفافية، وهو بهذا التصرف أكد حبه لناديه لأنه واثق أن القلعة الأهلاوية فيها الكثير من الكفاءات القادرة على إدارة المكان بالطريقة الإيجابية، ومن ثم تحقيق الأهداف المنشودة ورسم أهداف جديدة.

عندما أعلن معالي القرقاوي اعتذاره عن عدم الاستمرار في مهمته الرسمية في النادي الأهلي، أعلن أيضاً أنه سيبقى يدعم كل الخطط الكفيلة بالارتقاء بهذا الصرح الكبير، وكلما يسمح له الوقت سيمارس دور الأهلاوي المخلص لناديه والوفي لتاريخه. ترك المنصب الرياضي في عالمنا العربي طوعاً أصبح ضرباً من الخيال، فالكل يدرك أهمية المنصب الرياضي ومكانته في المجتمع، خاصة وأن القطاع الرياضي هو الأوسع في كل مجتمع.

المدرسة

منذ أن تأسس النادي الأهلي كمشروع رياضي ثقافي وهو يعمل كمدرسة تخرج الأجيال القادرة على خدمة المجتمع من خلال عطائها في شتى المجالات، لذا ظلت هذه المدرسة تعد الأجيال لمواصلة المسيرة من أجل الإسهام بنجاحات المجتمع وتطوير أدائه، من خلال عناصر مهيأة لمهمات كبيرة، لذا من الضروري جداً أن تبقى هذه الحقيقة ماثلة أمام من ينظر إلى هذه المدرسة الكبيرة على أنها فريق كرة قدم فقط.

الأهلي ليس كذلك، فهو أكبر من فرقة ما، وكما قلنا هو مدرسة خرّجت العديد من المبدعين الذين ساهموا في خدمة المجتمع وما زالوا يساهمون، خاصة في ظل الفكر الاستراتيجي الذي يعمل به سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس النادي والذي يسعى من خلال نظرته الثاقبة إلى أن تكون هذه القلعة ماركة عالمية يعرفها ويقصدها القاصي والداني.

نعم.. على من ينظر إلى الأهلي من خلال نتائجه الآنية في كرة القدم أن يصحح نظرته وأن يتعمق في تاريخ النادي وكذلك أن يتأمل خططه المستقبلية ومشاريعه التي ستجعله من أقوى وأشهر الأندية في المنطقة.

الأهلي مدرسة واسعة لا حدود لعطائها، لذا علينا أن نذاكر دروسها ونستفيد من كل العِبر التي قدمتها لنا عبر تاريخها المضيء ماضياً وحاضراً وعما ستقدمه لنا من دروس مستقبلاً.

الأهلي.. الدرس والمدرسة، وانتفاضة الأوفياء تكمن في صراحة رجالها واتخاذهم القرار المناسب في الوقت المناسب.. الدرس الذي قدمه معالي القرقاوي يجب قراءته جيداً، ومن ليست لديه القدرة على العطاء بسبب ضيق الوقت أو بسبب عدم قدرته على تحقيق الخطط والبرامج أو أن كفاءته أقل مما ينبغي، عليه أن ينتفض ويحقق المطلوب إما بتطوير قابلياته ومهاراته وإما بفتح الباب أمام الآخرين الأكثر قدرة على العطاء.

نقول لمعالي محمد القرقاوي: انتفاضة مباركة ودرس مفيد.. ويا لها من مدرسة دروسها لا تنتهي.. وفصولها مستمرة من أجل مستقبل أفضل.

خليفة سليمان.. عطاء وإخلاص

ستكون مهمة خليفة سعيد سليمان رئيس مجلس إدارة النادي الأهلي الجديد مهمة الحفاظ على مكتسبات الفرسان، ومعروف عن خليفة حبّه للعمل والعطاء، وهو مخلص في أداء واجباته، كما ان العمل في نادٍ كبير مثل الأهلي مسؤولية كبيرة لأنه يهم قطاعاً واسعاً، غير أن ما يساعد رئيس المجلس الجديد هو الدعم الكبير الذي يلقاه من قِبل سمو الشيخ حمدان بن محمد الذي يريد للنادي الأهلي أن يكون كبيراً في عطائه وفي خدمته للمجتمع.

خليفة سليمان أهل للمسؤولية.. فإلى مزيد من النجاح.