رغم الظروف الصعبة المحيطة به، يحاول المبدع العراقي، مواصلة العمل وإثبات الحضور، إن كان فوق أرضه الملتهبة، أو في المحافل العربية والعالمية، مذكراً بوجوده وقدرته على التحدي والمجابهة والإبداع.
في دمشق، ومن صالتي عرض متجاورتين، تألقت مؤخراً، خمس تجارب تشكيلية عراقية في حقل التصوير المتعدد الثقافات، تحمل الكثير من النضج والتمايز والبهاء، تؤكد وحدة الأساليب والهواجس والتطلعات، للحركات التشكيلية العربية المعارضة، تأتي في مقدمتها، رغبة المنجز البصري العربي الحديث، الإفلات من براثن التذويب العولمي الغربي، وتحقيق استقلالية إيجابية، لا تضحي بالانجازات المعاصرة، ولا بالإرث الحضاري الأصيل للبلاد التي تكوّن فيها هذا المنجز.
ففي صالة «أتاسي» للفنون التشكيلية، عرض الفنان التشكيلي العراقي «علي طالب» أربعة عشر عملاً فنياً منفذاً بخليط من الألوان، ومطعماً بمواد وعناصر مختلفة، بوساطة التلصيق (الكولاج)، الفنان من مواليد البصرة عام 1944. عاش في الكويت والأردن، ثم انتقل إلى أوروبا.
يشتغل الفنان طالب على اتجاه فني واقعي تجريدي يدخل بالرموز والرؤى العميقة، ويختزل كل ما قدمه التشكيل العالمي الحديث، من تجارب بحثية مازالت تتأرجح حتى يومنا الحالي، بين قطبي التشخيص والتجريد. علي طالب، مصور من الطراز الرفيع.
استفاد جيداً من موروث بلاده الفني، ومن إفرازات عصره، للخروج بمنجز بصري فائق التوافق اللوني والعنصراتي، ضمنه العديد من الرسائل الوجدانية، إنما بلغة مسربلة بالغموض والأسرار، ما يضطر المتلقي، لبذل الجهد من أجل فكها والولوج إلى معانيها.
وفي صالة «السيد» للفنون التشكيلية، حضرت أربعة تجارب، متنوعة لمصورين ينتمون لأجيال ومدارس فنية مختلفة، تختزل بأمانة، ما تموج به الحيوات التشكيلية العربية من أطياف ومدارس فنية مختلفة. فالفنان «سلمان عباس» المولود في بغداد عام 1945، شارك بأربع لوحات، مزج فيها بين الحروفية والتجريدية الزخرفية المشغولة برؤية حداثية وتراثية في آن معاً.
سطح اللوحة عند هذا الفنان، مدروس وحاشد بالمحمولات البصرية، من زخارف، وكتابات وإشارات اصطلاحية شعبية، وأختام.. وغيره، صاغها بحس تصويري رفيع، وخبرة جرافيكية كبيرة. أما الفنان «ناظم حامد» المولود عام 1951، فقد شارك بست لوحات زيتية واقعية، عالج فيها مناظر بحرية وريفية وأحصنة، بأسلوب ينم عن قدرات تصويرية متفوقة لناحية امتلاك عناصر ومفردات المشهد الواقعي الفني بالحركة والحياة.
الفنان «عبدالحسين تويج» المولود عام 1959، شارك بسبع لوحات، يشتغل فيها على الاتجاه الحروفي، إنما برؤية جرافيكية، حيث يتخذ من النص الحروفي أرضية للوحته الغارقة بشفافية لونية عالية الانسجام، قليلة الدرجات اللونية، متقنة الإضاءة.
الفنان «فاضل حسين» المولود عام 1961، شارك بست لوحات واقعية تعبيرية، تنم عن تملكه الواضح، لناحية اللون والخط، والقطوعات الأكاديمية المدروسة. والواقعية عنده محقونة بروح انطباعية ثرة الألوان مشبعة بالضوء والحياة، رغم سطوة النزعة التسجيلية على بعضها.عالج الفنان حسين في لوحاته، الحارات القديمة، والأحصنة، والعاري، والمرأة، وهو بشكل عام، ميال إلى الدرجات اللونية الكامدة المعجونة ببراعة، بالضوء، ومرصوفة بلمسة ريشة واثقة، عارفة، وخبيرة.
دمشق ـ د. محمود شاهي
