هؤلاء الذين عادوا

وليس لديهم أغنية

ولا صياح ديك

ولا حتى سياجا يقفزون عنه..

الذين صداهم زعيق عربيات الرحيل

ولأحلامهم شكل الفراشة والقضبان

قد أدركوا انعدام المسافات

فهل سيعرفون تشابه الأمكنة؟

إن فارق المسافات لم يعد قائما بين الأشياء والمفاهيم ولا القيم والخرائط، ولا بين المبدئي واللامبدئي، أو بين الحقيقي والوهمي.. ليس لأن ضبابية الأجواء سبب في انعدام الرؤية، أو لأن حالة تنضج قبل أخرى أو في ظل غيابها.. بل لأن التميع طال جوهر الأشياء، وكل القيم وكل الفنون.. وكما ثمة أجناس أدبية هجينة لها صناعها ودعاتها ومضللوها.. ثمة أعمال تشكيلية مسطحة أو مقعرة أو لها أبعاد ثلاثة، توحي بوجود مسافات ما، لكنها في الواقع تعدم أي مسافة بينها وبين أي انتماء للفن التشكيلي.

وكما للأجناس الهجينة نقادها رغم إنها عقيمة لا تتوالد غير الزوال، للأعمال الفنية المتطاولة على التشكيل، أساطينها.. وأساطين التشكيل أكثر تضليلا من عرابي أي مجال إبداعي، وهم في غالبيتهم فنانون فاشلون..فشلوا في الرسم أو إدراك أبسط خطوط علم التشريح، فادعوا إنهم ملونون، غاب بهم التلوين مع ألوانهم القذرة، وغيّبهم عن الواقع الذي هو خبزهم اليومي كمنتفعين، فعادوا للتشخيص والتحوير والتجريد..

ولأن تعبيرهم التجريدي، أو تجريدهم التعبيري، لا يصلح لكل زمان ومكان، لم يبق مكان يراوحون فيه في ظل تشابه الأمكنة وانعدام المسافات.. امتهنوا النقد التشكيلي، وبلغة رشيقة مع قليل من الشعرية، وبعض المصطلحات، والالتقاطات والكثير من التضليل..

صاروا النقاد الحصريون في البلد، وأي صحفي يجرؤ في التطاول على «كارهم» يصير أمياً في التشكيل، لا يجيد إلا الوصف.. وإن كتب بعض الانطباعات المناسبة يكون سارقاً من الكتب والبروشورات.. وإن كان لديه عين لاقطة وكتب ما عجز صاحب الأعمال المعروضة عن الحديث عنه، يصير صحفياً يجيد التقاط بعض التعبيرات أو الدلالات أو.. لكنه بحاجة إلى قراءة الكتب النقدية وتاريخ الفن، كي يستطيع التفريق بين فن الباروك، وفن الروكوكو.

لكن هؤلاء النقاد حين يكتبون، يبحرون في اللامعقول، وبما وراء اللغة، وتضيع الدلالات وتذوب المصطلحات، وتتلون الألوان وتنعدم المسافات.. وكله باسم التجريد والمجاز.. وكأن التجريد أصبح سوق نخاسة من كوكب آخر ..

وما يثير الدهشة هو أن هؤلاء الأساطين الحصريين، لا يحاربون الصحفيين وحسب، بل حربهم الخفية انطلاقاً من قواعدهم ـ وكل ديك على مزبلته صياح - تشتعل بهدوء بينهم وبعضهم من جهة وأصحاب صالات العرض والفنانين من جهة ثانية، خاصة أن اللوحة دخلت بقوة سوق العرض والطلب، وثمة فنانون باعوا أعمالهم السابقة واللاحقة أيضاً.. هكذا يتم شراء أعمال الفنان لخمس سنوات مثلا، ولا يمكنه بيع لوحة دون العودة إلى التاجر إياه، أو صاحب الصالة الذي اشترى جهد ذلك الفنان.

وما يجدد المقت هو أن هؤلاء النقاد الحصريين يحاربون أي فنان يضع على «الكتالوج أو البرشور» الخاص بإعلانه عن معرضه كلمة كتبها عنه أي صحفي، فهذا تواطؤ مع متطاول على «كارهم»، ولا يجوز لأي أحد أن يلمس حروفه الذهبية التي تشكل مقطوعاتهم السحرية.. يرعاكم الله.

abuhamed@albayan.ae