آمنت بقدرة اللغة، ووثقت بأنها ركيزة الثقافة الأساسية، كما آمنت بأهمية بناء الفكر والإنسان؛ لأنه أشد وأقوم وأقوى، فأكدت على ضرورة الثقافة الملتزمة، وحَيَّت كل من يقرأ معها أبجدية الضاد. ومن أجل تعزيز رؤاها وتنفيذها؛ أسست مركز الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الديني الثقافي بالعين، ليكون منبر الوفاء الذي توقد من خلاله مشاعل التنمية الفكرية، وقد تفتق عنه عدة مشروعات تندفع إلى خدمة الدين والثقافة، وتؤسس قاعدة متينة ينطلق بها إنسان اليوم، ويرتكز عليها إنسان الغد. ولعل أبرز المشروعات التي انبثقت عن المركز هو الصالون الثقافي، والذي يضم ندوة الكتاب، حيث تطرح في كل شهر قضية في جانب.. سياسي أو اجتماعي أو أدبي.

إنها الشيخة د. شمة بنت محمد بن خالد آل نهيان، التي لم يشغلها اهتمامها بالتحصيل العلمي وواجباتها البروتوكولية عن العمل على تحسين وضع المرأة، فأفردت لها أطروحة الماجستير التي تناولت موضوع (المرأة العاملة والأمن الوظيفي في دولة الإمارات العربية المتحدة) أما رسالة الدكتوراه فموضوعها (الأمن السياسي والاجتماعي في دولة الإمارات العربية المتحدة). تترأس مركز الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الديني الثقافي ومنه تنطلق للعمل التنموي.

في أول حوار لها، خصت به (البيان) نقترب من تفاعلها، ونتعرف إلى رؤاها للرفد والمساهمة في الحراك الثقافي الجاد في الدولة.

* بداية.. متى أسستم أول صالون أدبي؟ وبكم عضوة انطلق؟

ـ دعيني أقول إن الهدف الأساسي من إنشاء مركز الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الديني الثقافي الذي تم افتتاحه في أواخر عام 1997 تمثل في دعم كافة الأنشطة والفعاليات التي تساهم في الحفاظ على الثقافة الوطنية التي تعد مكوناً جوهرياً للهوية الوطنية.

وفي سبيل ذلك يتولى المركز القيام بالعديد من الأنشطة الدينية والاجتماعية والثقافية، ولا تقتصر هذه الأنشطة على فئة بعينها بل تمتد إلى كافة فئات المجتمع، حيث يسعى المركز إلى تحقيق مبدأ الشراكة الحقيقية بين كافة فئات المجتمع، من أجل تكوين رأس المال البشري الذي بات يمثل شرطاً جوهرياً لتحقيق التنمية البشرية المستدامة في عصر العولمة ومجتمع المعرفة.

في هذا السياق ولُدت الفعاليات الفكرية التي يعد الصالون الأدبي أحدها، وتعد ندوة الكتاب مثالاً آخر على هذه الفعاليات، وندوة الكتاب عبارة عن ملتقى فكري يُعقد كل شهر لمناقشة أي عمل ثقافي أو اجتماعي أو سياسي.

* ما هي الأدوار التي يقوم بها المنتدى من خلال الصالون الثلاثي الاتجاهات؟

ـ فيما يتصل بالصالون الأدبي فيختص بمناقشة أعمال أدبية تستلزم قارئا من نوع خاص تتوافر فيه درجة ما من درجات الوعي بخصوصية النصوص الإبداعية سواء في تناولها لقضايا المجتمع أو فيما تتسم به من خصائص جمالية.

* هل هناك عامل محرِّض دفعكم إلى تأسيس الصالونات الأدبية الآن؟

ـ لا شك أن الصالونات الأدبية ظاهرة اجتماعية وفكرية محمودة وجدت على امتداد التاريخ الثقافي للمجتمعات، وهي ظاهرة تتوازى حضوراً وصوتاً مع المؤسسات الثقافية الرسمية، وتلعب دوراً بارزاً في إثراء الحياة الفكرية والإبداعية، من هذا المنطلق كان الدافع وراء تأسيس هذا الصالون الأدبي الذي نحرص فيه على قراءة الأعمال الأدبية قراءةً تتيح لنا فتح آفاق هذه الأعمال، واستكشاف مكنوناتها الجمالية والفكرية والاجتماعية؛ لأن العمل الإبداعي.

فضلاً عن كونه عملاً يتسم بسمات جمالية؛ فإنه في النهاية لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي أنتجه.. ونحرص ـ كلما أمكن ـ في هذا الصالون على استضافة مؤلِّف العمل الإبداعي الذي نعرض له في الصالون الأدبي.

* وهل تم نشر نتائج المناقشات؟ ولماذا؟

ـ حتى الآن لم ننشر المداولات الفكرية التي تتم في اللقاءات التي نعقدها في الصالون الأدبي، لكن ربما نفكر في هذا الأمر مستقبلاً خاصة في ظل وجود رصيد من الأعمال الإبداعية يسمح لنا بذلك.

* اهتمامك بالجانب الاجتماعي، ومعايشتك للمجال السياسي أفرز كل منهما أطروحة تناولت أهم قضايا كل مجال في مسيرتك العلمية.. لو يُسلط الضوء على أبرز ملامح القضايا التي تناولتها الرسائل؟

ـ يتبلور مشروعي العلمي وهمي الوطني - في الوقت نفسه- في قضيتين أساسيتين: الأولى: الأمن السياسي والاجتماعي لوطني الحبيب دولة الإمارات العربية المتحدة، والثانية دور المرأة الإماراتية في تشكيل وصياغة المشروع النهضوي لوطننا الحبيب.

لذا ستجدين كل ما أقوم به من أنشطة وفعاليات- سواء في الصالون الأدبي أو من خلال الأنشطة التي تتم في مركز الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الديني الثقافي- تتقاطع وتتوازى مع هاتين القضيتين.

ولعلك تعلمين أن أطروحة الدكتوارة كانت حول موضوع الأمن السياسي والاجتماعي في دولة الإمارات العربية المتحدة. وأنا الآن بصدد تطوير هذه الأطروحة في ظل التغيرات التي طرأت على الساحة الداخلية والإقليمية والعالمية، خاصة في ظل تداعيات عصر العولمة.

* هل سيحظى الجانب الثقافي.. بتخصيص رسالة علمية في شأنه، خاصة وأنه من صميم اشتغال سموك واهتمامك.. ؟ وهل تَحَدَّد موضوعها؟

ـ بالفعل فكرت جدياً ليس فقط في إجراء رسالة علمية حول الجانب الثقافي، بل في عمل مشروع بحثي كبير حول الشأن الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد وضعت بالفعل الموضوعات الثقافية التي ستشكل تفاصيل هذا المشروع الثقافي الكبير، واسمحي لي بالاحتفاظ بسرية هذه الموضوعات لأنها ستكون مفاجأة للوسط الثقافي، وسوف يخرج هذا المشروع من مركز الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الديني الثقافي.

* كيف تقرأ الشيخة شمة المشهد الثقافي المحلي؟

ـ في تصوري أن الحراك الثقافي والفكري أهم ما يميز المشهد الثقافي المحلي، ويتسم هذا الحراك - في الوقت نفسه- بمشاركة المرأة في الشأن الثقافي والفكري كما يتسم بالتنوع والثراء. فضلاً عن التفاعل والحوار الثقافي الذي بات يميز هذا المشهد الثقافي، سواء كان هذا التفاعل مع الثقافة العربية أو الثقافة الغربية.

* هل لديكم توجه بتعميم نشاط مؤسساتكم الثقافية؟ وكيف يمكن إفادة أكبر قطاع منها؟

ـ إذا لم تصل الرسالة الثقافية إلى الجمهور فلا فائدة منها، وإذا لم يكن للعمل الثقافي جدوى فكرية واجتماعية يساهم من خلالها في نهضة الوطن فلا قيمة له، وهذا ما أحرص عليه قدر ما أستطيع في كل ما أقوم به من أنشطة وفعاليات في مركز الشيخ محمد بن خالد آل نهيان الديني الثقافي.

* هل نفهم أن سموك - من خلال إدارة هذه المنابر الثلاثة - تسعين إلى إعادة التوزان إلى الواقع الثقافي، بعد غلبة النشر الالكتروني؟ وما رأيكم في النشر الالكتروني؟

ـ لاشك أن النشر الالكتروني أعطى مساحة أوسع من الحرية ومن الإفلات من الرقابة بمختلف صورها. لكن برغم ذلك يظل للكلمة المكتوبة بين دفتي كتاب سحرها الخاص، كما يظل للثقافة المكتوبة دورها في الارتقاء بالذائقة الجمالية في عصر ثقافة الصورة التي أصبحت السمة الغالبة لثقافة العولمة.

* يخبو ثم يطفو على السطح مصطلح (أدب المرأة) ما هو موقف سموك من هذا المصطلح؟

ـ لا أحبذ أبدا تجنيس الأدب أو الفكر- كأن يقال أدب نسائي أو أدب رجالي، فالأدب بوصفه إبداعاً إنسانياً- لا يرتبط بجنس الرجل أو المرأة. فكم من مبدعات ناقشن هموم الرجل، وكم من أدباء ناقشوا هموم المرأة. المهم أن يكون العمل الأدبي - بغض النظر عن مبدعه رجلاً كان أم امرأة- عملاً يعكس تجربة إنسانية صادقة، ويعبِّر عن هموم المجتمع. ويستوفي - بالطبع- المواصفات الجمالية اللازمة لأي عمل أدبي.

* من هم كتابك المفضلون لأولوية القراءة والمتابعة؟

ـ لا أفضِّل كاتباً بعينه، أنا أفضِّل الأدب الجيد، والأدب الجيد يفرض نفسه على القارئ بغض النظر عن شخص مبدعه.

* ما هي القضية التي تؤرقك كمثقفة؟ وتنصحين سموك بسرعة علاجها؟

ـ لاشك أن التغير السريع الذي يميز المرحلة الحالية التي يمر بها مجتمع الإمارات أفرزت العديد من القضايا والمشكلات التي باتت تؤرقني وتحتاج بالفعل إلى مواجهة جادة من المثقفين: خذي على سبيل المثال كيف يمكن لنا أن نستفيد من الجوانب الإيجابية للتغيير، وكيف نحد من آثاره السلبية، وكيف نحافظ- في سياق هذا التغير السريع- على جوهر هويتنا العربية والإسلامية، وكيف لنا أن نُعيد اللغة العربية إلى صدارة المشهد الثقافي بعد التراجع والتشوّه الذي بات يهددها.

* هل من رسالة توجهينها.. ما هي الرسالة؟ ولمن توجه؟

ـ الرسالة التي أحب أن أوجهها هي: أن نهضة الوطن وتقدمه تحتاج إلى تضافر جهود الجميع؛ تحتاج إلى نوع جديد من الشراكة بين كافة الأفراد.

إضاءة

تقول في حديثها عن أهمية النشر غير الالكتروني: يظل للكلمة المكتوبة بين دفتي كتاب سحرها الخاص في عصر ثقافة الصورة التي أصبحت السمة الغالبة لثقافة العولمة.

حوار: فاطمة محمد الهديدي