قالت الكاتبة وسيدة الأعمال الفنلندية لينيتا ايرستو إن ظهور النفط والأموال في الإمارات لم يكن هو العامل الوحيد في النهضة العمرانية والاقتصادية التي تعيشها الدولة، وأن العامل الرئيس والحاسم في ذلك كان وجود قيادة تمتلك رؤية مستقبلية قادرة على تسخير الموارد والإمكانات في سبيل نهوض الدولة، وأن الخطة التي وضعتها هذه القيادة كانت ناجحة في ميادين شتى ويمكن أن تُدرّس في مؤسسات متخصصة كواحدة من أفضل التجارب في إدارة الدول ومواردها الاقتصادية والبشرية.
وأضافت «ايرستو» التي كانت تتحدث بعد اللقاء الذي جمعها بروضة المطوع رئيس مجلس سيدات الأعمال في أبوظبي- بغرفة التجارة والصناعة صباح أمس: تأتي زيارتي الأولى للإمارات، للتعرف عن قرب على هذه التجربة الناجحة والمتطورة في العالم، ومحاولة تقديم بعض من عوامل هذا النهوض والتطور للعديد من أبناء فنلندا الذين لا يعرفون شيئاً عن الإمارات، كما أنني اجتمعت منذ قدومي للإمارات بعشرات السيدات الإماراتيات الناجحات في مجالات التجارة والأدب والفن، وهذا يدخل ضمن مشروعي في الكتاب الذي أعده حالياً.
وقد التقيت بسيدات إماراتيات أثرن إعجابي، كان على رأسهن معالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد، رجاء القرق رئيسة مجلس سيدات الأعمال في دبي، وروضة المطوع رئيسة مجلس سيدات الأعمال في أبوظبي، وفنانة المجوهرات عزة القبيسي، والمخرجة الشابة نائلة الخاجة، ومن أهم الصفات التي رأيت المرأة الإماراتية تتمتع بها؛ هي ثقتها العالية بالنفس، وقوة الشخصية القادرة على إدارة دفة الأمور، والتحفز والإرادة للنجاح، وأعتقد أن المرأة الإماراتية كما وصفتها إحدى الشخصيات التي التقيتها؛ ربما تغير من الطريق الذي تسلكه ولكنها لا تغير الهدف وتتجه إليه في النهاية.
وقالت «ايرستو»: لدى اجتماعي بالسيدة روضة المطوع أعطتني خلفية اجتماعية وتاريخية عن المرأة الإماراتية وما عانته سابقاً في حياتها لظروف اقتصادية وأخرى اجتماعية، إلى أن وصلت إلى مراكز مرموقة في المجتمع لم تصل إليها نظيراتها في المنطقة، وعرفتني روضة بالمهن الأولى التي كانت تمتهنها المرأة قبل الطفرة الاقتصادية.
حيث المهن المتعلقة بجمع المحاصيل الزراعية وبيع الموارد البحرية من أسماك وغيرها من المهن البسيطة، ثم شرحت لي التدرج الذي انتقلت فيه المرأة من البساطة في العمل إلى الدخول في الميدان الاقتصادي والتجاري من أوسع أبوابه، كما شاهدتُ المشاريع التي يقدمها مجلس سيدات الأعمال في أبوظبي كمشروع «مبدعة» الذي أثار إعجابي في تدريب ومساعدة النساء في العمل عن بعد عن طريق الشبكة الإلكترونية.
أما الكتاب الذي أنوي إصداره -أضافت الكاتبة الفنلندية- في أكتوبر القادم؛ فهو يتناول تجربة أربع دول من أركان المعمورة المختلفة، حققت تقدماً وطفرة وتطوراً ملحوظاً لا يمكن إغفاله في فترة زمنية قصيرة، وهي: الإمارات- كازاخستان- آيسلند- أوغندا، وهي كما ترون من بقاع مختلفة من الأرض، ويسعدني بعد الاطلاع على تجارب هذه الدول تقديمها لأبناء فنلندا وإسكندنافيا.
وأعتقد أن ذلك هو جزء من تحاور ولقاء الشرق والغرب، وأحد أسباب تأليفي لهذا الكتاب هو الاطلاع على مدى تأثير العولمة على هذه المناطق، والبحث عن إجابات شافية لبعض الأسئلة التي توجه في فنلندا عن تأثير الشركات العابرة للقارات على حياة الناس، وأعتقد أن النظرة العنجهية التي يمتلكها بعض الكتاب أو المفكرين حول الشعوب والدول يجب أن تتغير، وقد جئت للتعلم والاستفادة من التجربة الإماراتية في عدة مجالات، أما عنوان الكتاب فهو «هل أتمكن- سأفعلها حتماً».
وحول انتقالها من تخصص إلى آخر في مجالات الإعلام والاقتصاد والحوارات السياسية، قالت «أيرستو»: هناك مؤسستان لدراسة الاقتصاد في فنلندا؛ أولاهما المعهد السويدي والثانية المعهد الفنلندي، واخترت الأولى لأتمكن من اللغة السويدية التي تعتبر الثانية في البلاد، ووفق ما أرى فلإن التخصصات يكمل بعضها بعضاً، لذلك اتجهت لتحصيل نوع من التخصص في المجال الإعلامي الذي ساعدني كثيراً في مجال التجارة والأعمال التي أديرها.
كما ساعدني بالتعرف على ثقافات وحضارات مختلفة، كما أن الإعلام قدم لي الخدمة التي أبغيها في الترويج والتعريف ببلدي ومنتجاته الصناعية والثقافية، أما أسلوبي في إدارة الحوارات في البرامج السياسية التي كنت أقدمها من عدة محطات في فنلندا؛ فهو أسلوب قائم على الدبلوماسية بطرفيها أي مسك العصا من الوسط وفق المثل العربي حيث أبدأ بأسلوب طرح الأسئلة المباشرة التي ينزعج منها الضيف السياسي في البداية، لكني في ذات الوقت استدرك وأدفعه للابتسام والتجاوب في الإجابات.
أما الهدف الإنساني لجولتها بعيداً عن التجارة والترويج فقالت الكاتبة الفنلندية: لقد ولدت في ظل الغزو السوفييتي لموطني، وكنتُ أرى الموت بعيني يومياً، حيث كنت أساكن والدتي وجدتي في أحد الملاجئ التي كانت تحيطها البيوت والشوارع المدمرة بسبب القصف والقتال.
وأنا أعرف جيداً المأساة والحزن الذي يعيشه أي طفل أو أي إنسان يعاني آثار الحرب والعنف في العالم، وحين أشاهد الأطفال والناس وهم يموتون يومياً في الصراعات الدائرة؛ فإنني أتذكر تلك الطفولة المعذبة التي عشتها ولا أتمناها لأي طفل في العالم، وما جولتي في الإمارات ومنطقة الشرق الأوسط، إلا للتعرف على حياة الناس هنا، ومحاولة تقديم صورة حقيقية للشرق لأبناء فنلندا وأوروبا.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري
