شاعر وكاتب ونائب سابق في البرلمان اللبناني صدر له عدة كتابات تؤرّخ لمسيرة شعره وكتاباته في شتى شؤون الحياة، وشجون الكتابات الإبداعية، «فصول لم تتم»، «في زمن القهر والغضب»، «جنوباً ترحل الكلمات»، «قضايا ومواقف»، «وجوه مضيئة»، «كلمات للوطن والحرية»، «في رحاب الخيام»، وغيرها. الدكتور حبيب صادق في موقعه المتعدد الجبهات يعطي الجانب الأعظم من وقته للشؤون السياسية والاجتماعية والثقافية بأبعادها الوطنية والقومية.

شاعر يرفض إخضاع الشعر والشعراء للتقليد السياسي الاجتماعي فهو أسمى من أن يخضع لمنطق التراتبي على صعيد توزيع المناصب والمراتب. في حديثه لجريدة «البيان» تحدث عن كثير من الأمور وطرح إشكالية الحداثة والكثير من الأسئلة التي يأتها في رأسها سؤال الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية التي ما زالت تتحدى المجتمعات العربية بعنف.

ـ حدثنا بداية عن مقاربتك إلى أجناس الكتابة؟

ـ كتبت النص الشعري بداية في صيغة كلاسيكية، ثم انتقلت إلى صيغة التفعيلة في أواسط الخمسينات بدأت النشر في مجلات الأديب والآداب ومجلة العرفان ومجلة الطريق، الثقافة الوطنية وغيرها. وقد صدر لي مجموعتان شعريتان الأولى عن دار الآداب بعنوان فصول لم تتم والثانية في زمن القهر والغضب عن دار العودة في أثناء ذلك،

أي أثناء تلك المرحلة من الكتابة الشعرية، مارست على مدى سبعة أو ثمانية أعوام الكتابة الإذاعية في مختلف أشكالها من تمثيليات ومن أغنيات ومن اجتماعيات وتاريخيات، بعد ذلك مارست الكتابة النقدية الأدبية والاجتماعية والفكرية، ثم انتقلت أخيراً إلى الكتابة السياسية جراء انتقالي للعمل في الحقل السياسي وقد صدرت لي كتب عديدة في هذه الحقول، في الراهن من عمري بت مقلاً في الكتابة مقتصراً على القراءة المتنوعة.

ـ لماذا ابتعدت عن الكتابة الشعرية؟

ـ في الواقع منذ أواسط السبعينات امتنعت عن كتابة النص الشعري لانشغالات بهموم ثقافية وسياسية واجتماعية حالت دون تفرغي للكتابة الشعرية التي تقتضي متابعة دقيقة وتفرغاً كلياً لأستكمل العدّة المطلوبة وهذا الأمر لم يكن متيسراً لي وما زال. ما عدت أكتب الشعر بحيث لا يسعني القول ان عدت أدراجي إلى هذا المقام العالي.

ـ هل تعتبر نفسك كاتباً محترفاً أم هاوياً؟

ـ الصراحة التي اعتدت عليها أقول بأنني لم أجدني في يوم من الأيام مأخوذاً في عملية الاحتراف على كل صعيد سواء على الصعيد الأدبي أو حتى على الصعيد السياسي، كنت مازلت وربما سأبقى في إطار الهواية أتحرك وليس في إطار الاحتراف ربما هذا مزاح من تأثير الهموم الخاصة والعامة التي كانت تثقل الصدر ولا تزال.

ـ هل يجب إخضاع الشعر والشعراء للتقليد السياسي والاجتماعي؟

ـ الأمر ليس عملاً إرادوياً، الأديب هو قبل كل شيء إنسان من أبناء هذا المجتمع أو ذاك. في حيز من الزمن المحدد ومن ذلك سواء اعترف أو لم يعترف يتأثر بهموم المجتمع وشواغله وأزماته بما فيها الشاغل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي طبعاً. وبالتالي سيتجلى أو ستتجلى الهموم في نصه الإبداعي، طبعاً ليس على نحو مباشر إنما على نحو نيّر مباشر لكي تستقيم العملية الإبداعية لديه.

ـ كيف يمكن رفع منزلة الشعر العربي؟

ـ هذا أمر يتعلق أساساً بمستوى الحياة العامة في مجتمع محدد وفي زمن محدد، فالأمر إذاً لا يتوقف على رغبة فردية أو عامة، هذا مع العلم أن للمبدع مساحة تتسع أو تضيق تبعاً للقدرات الإبداعية من القدرة على إغناء الحركة الإبداعية سواء تجلّت في الشعر أو النثر أو الفنون وعمومها. إذاً ليس هناك من جهة أو فرد يتولى مهمة إصدار قرار أو مرسوم لإعلاء شأن الحركة الإبداعية، فهذا وهم من الأوهام يخرج عن المنطق السليم لكونه يخرج عن طبيعة الأشياء.

ـ ما هي الإشكاليات التي أحدثتها الحداثة؟

ـ الحداثة هي بذاتها إشكالية لمجتمعات التخلّف التي تحفل بمحن الفقر والأمية ومشكلاتهما ومن هنا فان المجتمعات كانت ولا تزال تعيش تحت وطأة هذه المعضلات فهي كانت في حالة صدام مع مقتضيات الحداثة والمستغرب في كتاباتنا المرسلة الإشارة إلى ما بعد الحداثة في حين أن مقتضيات الحداثة، لم تستكمل شروطها في دنيانا العربية

وكيف تستكمل وفي هذا العالم نسبة عالية من الأمّية ومثلها من الجهل ونسبة عالية من الفقر والفاقة ومثلها من انتهاك حريات الجماعة والفرد وعلى نحو خاص حرية التعبير والرأي هذا إذا لم ننتقل إلى ما هو ألصق في موضوعات الحداثة ومنها المستوى التقني والعلوم الدقيقة وما يتصل بها يسمى ثورة المعلوماتية والإعلام.

ـ أين نحن في ظل هذه الحداثة من أسئلة تدور حول الديمقراطية والتنمية البشرية وغيرها؟

ـ نحن ما دمنا نحيا في مطلع هذا القرن نعيش تحت سقف الأنظمة الاستبدادية ذات الصلة التبعية في الخارج وما زالت المحرّمات تشكل أغلالاً كأسرة تكبل حرية المرء وتمسك لسانه عن القول وقلمه عن الكتابة. فكيف ثمار الحداثة أن تجد السبيل إلى عالمنا فتنتعش في أرجائه وتسود. ما زالت أحلام النهضة تتناسل في صدورنا من غير أن تجد الأبواب والنوافذ للنفاد منها إلى التحقق في واقعنا العربي المأزوم هو في غاية التأزّم.

ـ ولكن من غير الطبيعي أن لا تكون هناك أزمات؟

ـ لا يخلو مجتمع من المجتمعات البشرية من أزمات خصوصاً أن الأسرة البشرية في حركة تطور لا تنقطع إلا على تواصل إنما المجتمعات العربية تتخبّط منذ فشل النهضة الأولى في لجج الانتكاسات والهزائم على كل صعيد دون أن يعني ذلك بأن أنواراً من المعاصرة قد بدأت تسلك الطريق إلينا ببطء وخفر، ما دمنا نتحدث وقد تجلى ذلك في الحركة الإبداعية على صعيد الشعر والفن التشكيلي فبرزت وجوه مضيئة على هذين الصعيدين، مضافاً إلى بروز وجوه مضيئة على صعيد كتابة النص الروائي خصوصاً.

ـ «وجوه مضيئة» لأي مدى أسهم في تقديم مادة غنية للأجيال الصاعدة؟

ـ قد لا يكون من التعسف القول ان أجيال الإبداعية في الشعر والرواية على سبيل المثال التي عرفتها، سنوات النصف الثاني من القرن العشرين لم تستكمل بورثة يتمتعون بتلك القدرات الإبداعية واحتمالات تجاوزها دون أن يعني ذلك القطع فثمة بعض الوجوه المعدودة جداً التي تشكل استثناء عن القاعدة.

ـ كيف يمكن تحدِ هذه العولمة الرأسمالية المتوحشة؟

ـ العولمة الجديدة شأن العولمة القديمة هي نقلة أو مرحلة من مراحل حركة التطور في العالم إذ لا يملك الفرد أو الجماعة القدرة أو الخيار على تجنبها أو التأثر بها على هذا النحو إنما العولمة الجديدة كما القديمة تنطوي على جوانب إيجابية تثري الحياة العامة وتدفع بحركة التقدم كما تنطوي على جوانب سلبية تحمل الأضرار الفادحة وربما الخراب،

فالجوانب السلبية تتجلّى بوضوح تام في ما بلغته الرأسمالية من نهم وحشي لا تتطلع إلا إلى الربحية المنفلتة من عقالها على حساب آلام الإنسانية وعذاباتها وفقرها وجوعها وتخلّفها. من هنا علينا في عالمنا العربي أن نأخذ من هذه العولمة الجديدة الجوانب الإيجابية بما يتلاءم مع مصالحنا وبما يحقق طموحاتنا إلى تقدم وتطور وازدهار.

ـ ماذا عن خلق حالة وئام بين الثقافة والسياسة؟

ـ هناك تعدد ميادين للعمل الإنساني وفي كل ميدان قوى تتحرك تحقيقاً لأهدافها وتأميناً لمصالحها وهذه الحركة تعبر عن حاجاتها وطموحاتها باللغة التي تتقنها ففي الميدان السياسي تتحرك قوى سياسية طامحةً إلى القيام بدور سياسي في مجتمعاتنا وصولاً إلى الإسهام في حركة تغيير ديموغرافي ومن شأن هذه القوى السياسية أن توظف كل الإمكانات والوسائل المتاحة تحقيقاً لأغراضها.

فكانت في الماضي والوقت الراهن تستعين بالعاملين في الشأن الثقافي تحديداً الكتابة والإعلام، خدمة لمصالحها السياسية. من هنا كان في كل عصر من يطلق عليهم اسم «كهان الهيكل» من الكتبة والشعراء والإعلاميين.

ـ هل انتماء الأديب لحزب يجعل إبداعه ينحاز لهذا الحزب؟

ـ ليس انتساب المبدع لتيار سياسي معين يشلّ قدرته الإبداعية أو يشوبها شوائب فهناك كثرة في العالم من الشعراء والفنيين التشكيليين والسينمائيين والموسيقيين كانوا ينتسبون لتيارات سياسية وينخرطون في بعض الأحزاب التقدمية فلم يؤثر هذا الانتساب على نصهم الإبداعي ما داموا يمتلكون وهم في أطرهم السياسية الحرية التامة في التعبير عن قدراتهم الإبداعية دون أن يكون نصهم الإبداعي ترجمة لإملاء من خارج ذواتهم.

ـ لأي مدى المجلس الثقافي للبنان الجنوبي منحاز إلى الجنوب؟

ـ نحن في المجلس الثقافي الجنوبي ويشرفنا أن نحمل هذا العنوان المعبر، إنما نحن في عملنا الثقافي المتعدد الصيغ والأشكال لم نكن نصدر فقط عن هم جنوبي إلا بمقدار أن يكون هذا الهم الجنوبي جزءاً لا يتجزأ من الهم الوطني والقومي، من هنا أطلقنا على مجموعة شعرية صدرت عن المجلس بعنوان «وكل الجهات الجنوب»

وأصبحت شعاراً يرفع في النشاطات السياسية التي تتحرك تحت عناوين وطنية، وقومية وإنسانية، إذا نحن في المجلس إذ نتحرك في نشاطنا الثقافي تحت عنوان الجنوب فتتحرك لكونه كان ولا يزال يشكل أحد العناوين البارزة للقضية الوطنية إضافة إلى ذلك فنحن كنا وما نزال في المجلس على صلة كبيرة، الحركة الثقافية العربية

وقد أقمنا علاقات صداقة وتعاون مع الكثير من الهيئات الأدبية العربية واستناداً إلى هذه العلاقات قمنا بجملة أو تيسر لنا أن نقوم بجملة من الأنشطة الثقافية في هذه العاصمة العربية أو تلك مثل دمشق والقاهرة والجزائر العاصمة والإمارات حتى في الكويت قد أقمنا على سبيل المثال منذ مدة قصيرة معرضاً

أو جناحاً خاصاً في معرض الكتاب الدولي في الكويت تضمن هذا الجناح مجموعة من الصور الفوتوغرافية، للآثار البالغة الوحشية التي خلفها العدوان الإسرائيلي على لبنان انطلاقاً من جنوبه وكان لهذا الجناح أثر لا بأس به وتجلّى في بعض وسائل الإعلام في دولة الكويت الشقيقة.

ـ هل عرفنا بعالمنا العربي المدارس الشعرية بدقة؟

ـ قد يكون في أوروبا أو فرنسا تحديد دقيق لما يسمى مدارس في الشعر أو في الفن التشكيلي، إلخ.. هذا النوع من التحديد المدرسي لم نعرفه بدقة في عالمنا العربي كانت هناك الرابطة القلمية للأدباء اللبنانيين في المهجر ونشأت في لبنان بعض الهيئات مثل أهل القلم وهي أقرب لهيئة ثقافية وفي مصر هناك بعض التيارات كانت مرحلية وسرعان ما ينفرط عقدها. «السريالية ـ الدادائية» الواقعية، كلها كانت موجودة في فرنسا.

بيروت ـ رانيا غانم