مجموعة من الأسباب دفعت الباحثة خولة الحديد لتكتب عن بورخيس، وتناولت كما ورد في عنوان كتابها «الحلم والذاكرة في نثر بورخيس» من خلال 157 من القطع المتوسط. عن هذه الدوافع قالت خولة : «اخترت بورخيس لأن كتاباته استطاعت إنتاج صيغ عديدة، ومنوعة من المشكلات النظرية والفلسفية، وقد وجد فيها البنيويون في الستينات ضالتهم من خلال البناء الذهني لقصصه،

وتطابق رؤية بورخيس مع مقولتهم حول الموت والمؤلف والاحتفاء بالنص، ووجد أصحاب نظرية التناص «باختين، جوليا كريستفيا» وغيرهما في أعماله الكثير من البراهين التي تؤكد نظريتهم، تلاقى معه أصحاب نظرية التلقي «مدرسة كونستانس» حول مفهوم قراءة الأدب، فلكي تكون كاتبا جيدا عليك أن تكون قارئا جيدا».

وأكدت الباحثة: «أن بورخيس استطاع في أعماله استيعاب الموروث الفكري العالمي على تنوعه الكبير، ودمجه في نص واحد مستندا إلى قوة الخيال الخلاقة، وكان للثقافة العربية والإسلامية عموما نصيبا كبيرا من ثقافته الموسوعية، وقد أثرت هذه الثقافة بشكل كبير وجذري على معظم أعماله منذ أن قرأ كتاب ألف ليلة وليلة الذي كان يحلم بأن يعيد كتابته، إضافة إلى إطلاعه،

وتأثره بالتراث الصوفي الإسلامي وتضمينه في نصوصه وعندما ترجمت أعماله إلى غالبية لغات العالم الحية، ساهم بشكل أو بآخر في نشر الثقافة العربية في أبهى صورها». فالنص البورخيسي كما تجده خولة «مثال حي لأسئلة الواقع الراهن الذي نعيشه بشكل خاص، ذاك المرتبط بالحوار الثقافي الحضاري بين الشعوب، إذ تجسد أعماله هذا الحوار الذي لا يبخس أي ثقافة حقها،

ولذلك شكلت الحضارة العربية الإسلامية جزءا أساسيا منها في إشارة لكونها ميراثا أساسيا في الحضارة الإنسانية. والفكرة ليست حديثة على الباحثة فقد قدمت مع الشاعر محمد المزروعي في العام 2004 في مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية بحثا بعنوان العمى ومصير اللغة «بورخيس نموذجا» في هذا الإطار أشارت الحديد :

«من خلال بحثي المستمر في أعمال بورخيس لفتني بشدة وردود الحلم والذاكرة في نثر وشعر بورخيس، قرأت المترجم من أعماله، مع مقارنتي بين الترجمات فاختيار الترجمات عملية ليست بسهلة، بسبب التفاوت بينها وبالأخص ما ترجم في مجال الشعر،

كما وجدت بعض النصوص المكررة بين كتابه «الرمل ومرآة الحبر» وحاولت أن أقرأ الدراسات التي كتبت عنه بالأخص الدراسات الصادرة من المغرب العربي، فكما هو معروف أن بورخيس كان يتردد على مراكش وكان يجتمع مع الكثير من الرواد في ساحة جامع الفناء التي قال عنها :

«إنها تجسد أحلام الطفولة فالمغاربة كانوا أكثر قربا منه ربما لاستضافته، ومحاورته في الكثير من الأحيان».

واستعانت الحديد في كتابها بمصادر كثيرة قالت عنها :

استبعدت بعض المصادر واستعانت ببعضها بالأخص ما كتبه أصحاب نظرية التناص، وبالتحديد ما تناوله رولان بارات، وبالنسبة للتحليل النفسي، اعتمدت على علم النفس المعرفي، وإن كان البعض يعتقدون أن علم النفس إن استخدم في النقد الأدبي من خلال القراءة النفسية ذهب به إلى تحليل نفسيته وما إلى ذلك، لكن هذا الاعتقاد خاطئ، فعلم النفس واسع ومنه علم النفس الإدراكي الذي اشتقت من مقولاته بعض النظريات،

ولأنني امتلك خلفية نفسية من واقع دراستي، اعتمدت على علم النفس المعرفي الذي يبحث بآلية التذكر والإدراك، فبورخيس يختلف عن الناس العاديين، وذلك لأنه يمتلك الذاكرة المعنوية الخاصة بالكتاب والمبدعين، وهذه الذاكرة تعتمد على الانطباعات الحسية وعملية التحليل، فالصورة نقطة ارتكاز للتخيل، هذا ما أنتجه علم الإدراك، كما إنني اعتمدت على النظريات التفكيكية والبنيوية.

وتفضل خولة الحديد إطلاق كلمة قراءة في العمل على كلمة النقد قائلة :

ركزت على المنهج، فأي شيء مكتوب ليس بسهل كبحث علمي،فتحليل المضمون يأتي في إطار المعطيات الرقمية أكثر من المنهج الأدبي، والقراءة في العمل ليست بنقد أو تقييم العمل بجيد أو غير جيد، فكل تقييم له مدلولاته التي يرتكز عليها، وإن كان النقد في بعض الأحيان يعتمد على اللغة الوجودية، لكنه بالنهاية له أسس وقواعد وأدوات حتى لو تبنى وجهة نظر ما، فهو يعتمد على دراسة أكاديمية معينة، وبالمحصلة نرى أن نصوص بورخيس تستجيب لكل النظريات التي كتبت.

أبوظبي ـ عبير يونس