بحضور ورعاية صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان، وسمو الشيوخ وأصحاب المعالي والسعادة وحشد من المثقفين والإعلاميين، احتفلت دائرة الثقافة والإعلام مساء أول من أمس في قاعة الشيخ زايد بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا بتدشين الخطة الثقافية السنوية الأولى،

وكانت انطلاقة أولى فعاليات أيام عجمان الثقافية بمقاربة نقدية لرواية «شاهندة» لمؤلفها معالي راشد عبدالله النعيمي، قدمها الناقد المغربي نجيب العوفي ضمن أمسية أدارها الدكتور إبراهيم السعافين بحضور الشيخ عبدالعزيز بن حميد النعيمي رئيس الدائرة الثقافية في عجمان، ومعالي راشد عبدالله النعيمي، وزير الخارجية السابق، وإبراهيم سعيد الظاهري مدير دائرة الثقافة، وحشد من المثقفين والإعلاميين والجامعيين. في بداية الندوة تحدث مديرها الدكتور إبراهيم السعافين عن تجربة صاحبها الحياتية وموقعه السياسي والاجتماعي، واستحقاقه للتكريم كرائد من رواد الرواية الإماراتية، وأشار إلى الجرأة الكبيرة التي تتجلى في هذه الرواية، وكيف أنها في تفاصيلها تنكأ جرحاً في مجتمع له مواصفات في ذلك الحين، فقد اختار بطلة «شاهندة» لتكون شخصية روايته،

وهي امرأة متمردة على كل شيء في مجتمع لا يحتمل مثل هذا التمرد، هذه الشخصية التي ربما بناها المؤلف من عالم خيالي، ولكنه عالم يتقاطع مع الواقع، وكأنه تردد أشواق الإنسان للحرية والعدالة والمساواة.. وأكد السعافين أن الرواية من بواكير الأعمال العربية التي طرحت قضية النسوية كنموذج إرادة الكاتب ليطرح قضاياه الأساسية، وقيمه الاجتماعية والإنسانية.

ثلاث مقاربات

الناقد المغربي نجيب العوفي أوضح من جهته قبل أن يقدم قراءته النقدية للرواية أنها تنقسم إلى ثلاث مقاربات، الأولى ريادية روائية، والثانية المحكي الروائي، والثالثة المبنى الحكائي، ومن ثم أكد أن رواية شاهندة لراشد النعيمي، رواية رائدة مهدت لفن إبداعي جديد لم يكن له أثر ولا خبر في ربوع الإمارات، إن لم نقل في ربوع الخليج بعامة، فقد صدرت هذه الرواية في طبعتها الأولى سنة 1974 في 135 صفحة من القطع الوسط،

ولذلك تكون الرواية هي بداية الإرسال الروائي في الإمارات وفاتحته، ويكون راشد عبدالله أول من استن هذه السنة الأدبية الجميلة وغرس هذه البذرة الإبداعية الراقية في ربوع الإمارات، دون سلف يحتذى أو معطف أب يأتزر به.

وقال العوفي إن معظم الباحثين أجمعوا على السبق الريادي لشاهندة ومنهم عبدالله خليفة وأسامة فوزي الذي يشير إلى أن أحد الباحثين المصريين ظن أنها رواية مصرية، وأدرجها في بحث نشرته مجلة فصول، وكان هذا في بحث قدمه أسامة فوزي في الملتقى الأول للكتابات القصصية والروائية في دولة الإمارات تحت عنوان «استدعاء الموروث الشعبي في الأعمال القصصية».

ومع ذلك ـ يضيف العوفي ـ لابد أيضاً من التساؤل: ترى كيف طلع هذا النبت الأدبي اليانع من رمال الإمارات؟ لنا هنا تفسيران، الأول هو أن راشد عبدالله قضى شطراً من حياته وشرخ شبابه في القاهرة المدينة الروائية بامتياز، وربما كتب راشد روايته هناك، فمعظم العرب الذي حجوا إلى أرض الكنانة عادوا إلى أوطانهم بكنائن أدبية مترعة،

أما التفسير الثاني فهو إن الإمارات في طلائع السبعينات، زمن نشر الرواية، كانت تفرك عيونها للنور، وتتأهب بكل قواها وعنفوانها للدخول في معترك العصر، وأخذت الإمارات تتحول في فسحة زمنية ضوئية من كثبان رمال إلى ناطحات علياء وسحاب.. فلا غرو أن يتخلّق إبداع جديد من تخلّق مجتمع جديد.

المحكي الروائي

ويؤكد الناقد نجيب العوفي، إضافة لريادة الرواية، على أنها كانت شاهدة على مرحلة ماضوية قاسية من تاريخ الإمارات تجلت في مصاعب الغوص على اللؤلؤ وصيد السمك والرعي وبعض الزراعة، والنجارة المتخلفة، وتجارة الرقيق التي هي تيمة هذه الرواية ومناط حبكها وحيكها.

وبعد أن يستعرض الناقد حكاية الرواية ويسلط الضوء على شخوصها الرئيسية والثانوية يتساءل عن دلالة هذا الحكي الثر والمبشر؟ ماذا يعني هذا الحشد الحكائي «الإيروتيكي»، هل يعني أن شاهندة كانت وباء أو وبالاً اجتاح قرية الحيرة، ورجّ قيم القبيلة وأعرافها، وعاث فيها فساداً؟ هل يعني أن الوباء يأتي دائماً من الخارج، حيث إن «شاهندة» جاءت من أحد السواحل المقابلة للشواطئ العربية؟ أم هل يعني تعرية وشجباً للاتجار باللحم الآدمي واستبعاد من ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟

يرى العوفي أن الرواية تؤرخ لبداية النزوح الأجنبي إلى الخليج، سواء من الدول المجاورة أو البعيدة، هذا النزوح الذي سيعم ويطم سيله في العقود الجديدة، حتى يغدو سمة ديمغرافية من سمات الخليج. وفي غمرة هذا الفضاء الروائي الخليجي الغريزي والمادي الذي وضعنا فيه الروائي لا نملك إلا أن نتساءل:

ألم يظلم راشد عبدالله هذه البيئة الخليجية التقليدية حين يركز على نواقصها وقيمها السلبية، ناسياً أو ساهياً عن قيمها العربية والصحراوية الأصيلة؟ ألم يكن سائراً في الاتجاه المعاكس لرسالته الايدلوجية التي صدر بها كلمة إهدائه حيث يقول: «قصتي هذه تنبع من واقع عشناه، عشناه بين حبات الرمل المحترقة، في حياة جافة قاسية، اكتبها لهذا الجيل الذي يبني بقوة سواعده بلداً عظيماً، فتمده بالعزيمة الصادقة والأمل الطامح. اكتبها للأجيال القادمة لتكون لهم نافذة يطلون منها على حياة آبائهم وأجدادهم فتملؤهم بالعزة والثقة».

إذ كيف يمكن أن تفتح عيون الأجيال الجديدة وتملأ نفوسهم بالعزة والثقة من خلال مباذل ومكائد شاهدة وجشع وشره التجار والنخاسين والنواخذة؟ يتساءل الكاتب ويضيف: ليس من مهمة الكاتب الوعظ والإرشاد ووضع المساحيق على وجه الحياة، بل مهمته الأساسية أن يكشف عيوب الحياة ومثالبها من أجل الوعي بها وتجاوزها، وما قام به الروائي فيه كشف لعيوب الواقع واستشراف للمستقبل، وما نراه الآن هو نزوح الكثير من «الشاهندات» إلى الخليج العربي.

المبنى الحكائي

يرى الناقد نجيب العوفي في مقاربته أيضاً أن المحكي الروائي ليس وحده هو ما يسم ويميز هذه الرواية، وإن كان يمثل مركز ثقلها وعمودها الفقري، بل ثمة أيضاً طريقة حبكها ونسقها البنائي، فالرواية تحاذي نمطين من الرواية، وهما الرواية التاريخية، ورواية المغامرات، ولذلك تنحو منحى ميلو درامياً فاقعاً من ألفها إلى يائها، سواء في طبيعة محكيها أم في طبيعة حكيها، والميلودراما تنزع إلى حشد الحوادث والمفاجآت والفواجع في ملامح شخصية مبسطة وطبائع نمطية، حيث تنحصر الشخصيات في فئة محدودة من الناس، وهذا ماثل في الرواية وآخذ بمجامعها.

وأضاف الناقد ان البرنامج السردي للرواية يعتمد على الفصول المرقمة، وهي أقرب ما تكون إلى اللوحات أو المشاهد المفصلة المتفاوتة الطول، وتتنامى وتيرتها السردية صعداً وفق تنامي الحبكة الرئيسية المهيمنة وتنامي الحبكات الداخلية المنزرعة في ثنايا المسار الروائي، مع وقفات وارتجاعات زمنية تذكرية تتخلل هذا المسار.

وفيما يخص السارد، يرى العوفي أن السارد العليم بكل التفاصيل هو الذي يتكفل بإدارة السرد في الرواية وتغيير مواقعه واللعب بخيوطه ـ وللحق ـ السارد يلعب جيداً بهذه الخيوط وإن التاث عليه بعضها أحياناً لتشابكها ووفرتها محققاً أهم عنصر في الرواية الميلودرامية، وهو عنصر التشويق والإدهاش والإمتاع.

ويؤول السرد أيضاً في كثير من الأحيان إلى سرد مشهدي خالص قوامه الحوار المباشر بين الشخوص، والمواجهة الصدامية، حيث يتنحى السارد جانباً ملتزماً الحياد لتدير الشخوص دفة السرد المشهدي وتمسرحه درامياً.

وأخيراً ـ يختم العوفي ـ مهماً يكن في هذه الرواية من هنات وعثرات بنائية أو لغوية أو غيرها، فحسبها انها كانت رائدة للرواية الإماراتية وشهادة ميلاد شرفية لها، كما كانت شاهدة أمينة على مرحلة تؤذن بغروب وتعد بشروق.

عجمان ـ محمود أبو حامد