من حواري أبيدجان الإفريقية إلى قمة هدافي الدوري الإنجليزي، ورغم أنه تعرض للسخرية والنقد في بداية رحلته في ضباب لندن ـ لكن ديديه دروغبا لم يستسلم ولم يتخل عن حلمه إلى أن وصل إلى مرحلة الرضا التام عن النفس.

معروف عن المدرب خوسيه مورينيو أنه يعشق أن يثبت لاعبوه أقدامهم في الأرض وألا ينسى أيهم من أين أتى ـ ولمجرد أن يحصد أي واحد منهم ثروة طائلة لا يعني ألا يقف في صف البقالة لدفع قيمة مشترياته أو ألا يدفع فاتورة طعامه بالمطعم. وهو ما يقوله البرتغالي للاعبيه ـ وبمعنى آخر يطالبهم بالتصرف مثل بقية الناس العاديين. ودروغبا الطالب المخلص لمورينيو يتبع تعاليمه بدقة مؤكداً أنه فهم الرسالة التي ارسلها مورينيو. ويؤكد دروغبا هذا الاحترام الذي يكنه لمدربه عملياً على أرض الواقع، وذلك في نهائي كأس كارلينغ 2005 عندما ساهم دروغبا في عودة الأزرق من الهزيمة إلى الفوز على ليفربول 3/ 2، لكن مورينيو لم يكن حاضراً على أرضية الملعب بعد أن طرده الحكم إثر إساءته إلى جمهور ليفربول ـ ولاحظ دروغبا غياب مدربه فكان أول المسارعين عبر النفق للبحث عنه والتأكد من عودته إلى الملعب للاحتفال مع لاعبيه. وكان مورينيو هو الذي أقنع الروسي إبراموفيتش لشراء مهاجم مرسيليا مقابل 24 مليون إسترليني، بينما كان الروسي يفضل شراء رونالدو ـ وكان مورينيو هو الذي أقنع دروغبا بالبقاء مع تشلسي الصيف الماضي عندما لم يكن واثقاً من وجود خانة ثابتة له وحصوله على عروض جادة من أهم أندية أوروبا.

وكان من الطبيعي أن يبدأ دروغبا حديثه حول مدربه المفضل بعد أن كثرت التكهنات حول رحيله قائلاً تشلسي بدون مورينيو؟ لا أرغب حقيقة في مجرد التفكير في ذلك وهو الذي جلب لنا جميعاً النجاح الذي نحن فيه وفاز تشلسي ببطولة الدوري مرتين متتاليتين بعد عقم امتد 50 عاماً وهو أمر نسيه بعض الناس هنا في لندن. والفوز ببطولة كبرى كل موسم هو كل ما يطلبه الجمهور والإدارة من أي مدرب.

ويخلص دروغبا علاقته بمورينيو في كلمة واحدة ، الثقة، معلقاً: أكبر ما قدمه لي هو ثقته في قدراتي ـ وعندما تولى تدريب تشلسي كان لديه الخيار في شراء أعظم نجوم القارة، لكنه قال «لا أريدهم بل أريد دروغبا ـ وعندما تعلم أن أحدهم فعل ذلك من أجلك تقوي ثقتك في نفسك ولا بد أن يتعاظم احترامك له».

كذلك قيل الكثير وكتب النقاد الصفحات حول طريقة «4 ـ4 ـ2» التي يلعب بها مورينيو إلا أن لدورغبا رأيا آخر بعد أن نجح في التأقلم مع أسلوب مورينيو فانهمرت الأهداف بالجملة من قدمه ورأسه وعن ذلك يقول دروغبا: أدين بالفضل لمورينيو في تصاعد نسبة أهدافي، وكذلك لا أنكر فضل زميلي هيرنان كريسبو، ورغم أننا لم نشارك كثيراً في بداية الموسم الماضي إلا أننا أنهيناه بكثير من المشاركات المثمرة، أعتقد أن هذه الشراكة أوضحت للمدرب أنني أقدم أفضل عندما ألعب إلى جانب مهاجم آخر».

النشأة الأولى وأعوام التألق

يقول دروغبا: جزء كبير من نجاحي كان بعد انضمام الأوكراني البارع أندريه شفتشينكو إلى كتبية تشلسي، وعلى ذلك عكس الأقاويل السائدة حول المنافسة التي كانت متوقعة، بينما أقول إنه لعب دوراً في توفير المساحات المناسبة بالنسبة لي للانطلاق وسحب عدد من المدافعين معه، ورغم أنني واصلت إحراز الأهداف، إلا أن زمنه سيأتي في تسجيل عدد كبير منها، ورغم أن الكثيرين امتدحوا عدداً من الأهداف، خصوصاً في مرمى ليفربول وبرشلونة، إلا أنني أعتبر أنني أحرزت أجمل الأهداف، كذلك خلال مشاركاتي مع فريق غوينكاب من قبل.

وغوينكاب هو النادي الذي شهد انطلاقة دروغبا الحقيقية، ورغم أن النادي يقع في مدينة فرنسية لا يتعدى عدد سكانها 800 ألف مواطن، وهي أصغر مدينة لديها فريق كرة قدم في دوري الدرجة الممتازة الفرنسي.

وهناك وجد دروغبا فرصته في الظهور على المسرح الكروي الكبير وهو في الرابعة والعشرين بعد أعوام طويلة أمضاها في درجات الدوري الدنيا.

ورغم اختلاف بيئته التي نشأ فيها في الصغر مقارنة بتييري هنري مثلاً خريج أكاديمية المراحل السنية بكليرفونتين.

دروغبا المولود في 11 /3/ 1978 بأبيدجان عاصمة ساحل العاج هو أكبر سبعة أشقاء أربعة إخوان وشقيقان، وكان والده مصرفياً ووالدته موظفة طباعة على الآلة الكاتبة، وعندما بلغ الخامسة من عمره قرر دروغبا صياغة حياته بنفسه، باعتباره أكبر أشقائه، قرر والداه منحه فرصة تعليم أفضل فأرسلاه إلى فرنسا للإقامة مع عمه وعمته بمدينة أنغوليم، وأمضى دروغبا الصغير كامل الرحلة بالطائرة في بكاء وعويل.

وأمضى دروغبا ثلاثة أعوام في فرنسا التي كان عمه ميشيل غوبا الدولي الايفواري قد مارس الكرة محترفاً مع فريقي دنكيرك وبريست قبل أن يضطر للعودة إلى بلاده لمشكلات في الإقامة.

وكان دروغبا في الحادية عشرة، وقتها فقرر العودة إلى البلاد مع عمه الذي يعتبره والده الآخر في بلد سيكشف لاحقاً عن موهبته الكروية الفذة.

يقول دروغبا: صحيح أنني لم أمض العديد من السنوات في ساحل العاج، إلا أنني أحتفظ بذكريات عن ابيدجان أكثر من ذكريات في مدينتي أنغوليم وبريست الفرنسية ورغم أنني ذهبت يافعاً إلى فرنسا أحس أنني لم أترك جذوري الإفريقية خلفي، وهي مزروعة عميقاً في الداخل فعادت إلى الظهور فور عودتي إلى البلاد.

وخلال فترة عودته إلى فرنسا يذكر أنه شارك كثيراً في مباريات الحواري بواقع ثلاثة لاعبين لكل فريق والعديد من المنافسات بكرة قدم مثقوبة، أما الكأس فكانت زجاجة بلاستيكية للمشروبات الغازية مليئة بالحلوى وعدد من العملات المعدنية تبرع بها الجيران وشاركوا دروغبا الصغير كي يكون مرتدياً قميص المنتخب الأرجنتيني اختلسه من عمه الذي شارك في مباراة سابقة مع منتخب الأفيال ضد لاعبين من أميركا الجنوبية.

ويؤكد دروغبا أن جذوره الإفريقية ساهمت في تشكيل شخصيته الكروية، معلقاً: «يعتبر بعض الأوروبيين أن هدوء اللاعب الإفريقي مصدره الضعف أو الخوف، وعلى العكس نحن الأفارقة نشعر بأننا أقوياء بحيث لا نحتاج إلى إثبات العكس أمام الخصوم، ونحن لا نعرف متى نكشر عن أنيابنا عند الضرورة».

وببلوغه الخامسة عشرة لعب دروغبا مع فريق مغمور في ضواحي العاصمة باريس يحمل اسم «لوفالوا بيريه». ورغم أن زملاءه وصفوه بأنه أفضل لاعب بالفريق، إلا أنه أمضى أربعة أعوام دون أن يلفت انتباه أحد.

وواجه احتمال عدم تمكنه من اللعب كمحترف أبداً.

بعد ذلك، سجله آلان بيري مع مرسيليا فانطلق إلى النجومية بسرعة الصاروخ. وفجأة انتبهت أوروبا بأكملها إلى هذا الفيل الإفريقي الهائج لإحراز الأهداف، ولحظته عين مورينيو الفاحصة إلى أن انتهى بهما الأمر في تشلسي معاً، فواصل دروغبا إبداعاته وتابلوهاته الراقصة مع الأزرق واستحق نجومية الملاعب الأوروبية بأكملها.

كتيبة الأفيال

يعتبر دروغبا قائد كتيبة الأفيال الايفوارية في بلده وأحد الوجوه المفضلة للإعلانات ابتداء من الأحذية الكروية إلى منتجات وطنه من الشوكولا.

وهو السبب المباشر في نجاحات منتخب بلاده على الصعيدين الإفريقي والدولي واللاعب المفضل لدى مدرب الأفيال السابق فيليب تروسيه.

وفي عام 1994 أنشأ تروسيه أكاديمية كروية مع نادي العاصمة أسيك أبيدجان بمساعدة مواطنه الفرنسي «جان مارك غويلو» وروجيه كوينين رئيس النادي، وبعد 12 عاماً من افتتاحها وصل المنتخب العاجي إلى أول نهائيات مونديالية وشارك معه ثمانية من خريجي الأكاديمية.

وكان برنامج الأكاديمية يقدم 20 ساعة من التعليم للموهوبين من أطفال ساحل العاج أسبوعياً، علاوة على تلقيهم ثلاث وجبات يومياً مدروسة دراسة علمية.

أما التدريبات فيشرف عليها فريق من أفضل المدربين، والخبراء النفسيين يعملون على أفضل ميدانين مزروعين بالنجيل الطبيعي في الدولة.

هذا الترتيب الممتاز أكمله عام 1998 عندما قرر روجيه رئيس نادي أبيدجان استبدال عدد من عناصر الفريق الأول بعدد من خريجي الأكاديمية، أما المناسبة فكانت المشاركة في كأس السوبر الإفريقي.

ورغم صيحات الاستهجان من عدد من مسؤولي النادي وجمهوره الذي قاطع مباريات الفريق عاد الفريق الشاب بفوز بلغ 3 أهداف لواحد .

وشارك في التشكيلة وقتها كل من كولونوري، دييديه زوكورا آرونا دنيداني وأربعة آخرين شاركوا مستقبلاً مع المنتخب الايفواري في مونديال 2006، وهم: إيمانويل، إيبوا سالومون كالو، باكاري توني فتحول منتخب الأفيال إلى بعبع تخشاه كرة القدم.

محمد سيف النصر