فرنادو غاغو آخر موهبة صدرتها الكرة الأرجنتينية لأوروبا، ويتوقع النقاد والمتابعون مستقبلاً باهراً لنجم الوسط ذي العشرين ربيعاً الذي انضم الى فريق ريال مدريد الإسباني. وعادة ما يحدث تغيير شامل في أسلوب حياة لاعبي أميركا اللاتينية عند توقيعهم عقوداً مغرية مع الأندية الأوروبية، لكن فرناندو روبن غاغو لم يكن من هؤلاء بل تفاعل مع المتغيرات التي حدثت له بعقلية اللاعب الناضج.
وهو من مواليد مدينة غويراديلا التي لا يفصلها عن العاصمة بوينس ايرس سوى جسر صغير. وكان غاغو قد انضم إلى فريق شباب بوكا جونيور في ديسمبر 2004 فوصفه المتابعون بلاعب الوسط النابغة، وتوقعوا له مستقبلاً كبيراً في ملاعب الكرة وأنه سينضم قريباً إلى تشكيلة فريق بوكا الأساسية.
وكان كل المطلوب من المدرب جورج بنيتيز الشهير بلقب «شينو» أن يصقل موهبة غاغو ويجهزه لدور أكبر مع الفريق الأول، وشينو باشر الإشراف على المراحل السنية في يوكا جونيورز لحقبة طويلة، وبالتالي لديه الحساسية اللازمة للتعرف على المواهب عندما تقع عينه عليها.
وكان بوكا جونيور يمر بمرحلة حرجة بعد رحيل مدربه الأساسي ميجيل برنديس الذي كان قد جاء بديلاً للمدرب الكبير كارلوس بيانشي مهندس نجاحات الفريق في تاريخه الحديث، فاستعان النادي عندها ببنينيز أحد لاعبي فريق بوكا جونيورز الأسطورة بقيادة خوان كارلوس لورينزو خلال حقبة السبعينات والذي أحرز كأس الليبرتادوريس مرتين وكأس القارات.
هذا المدرب هو الذي استدعى غاغو للمشاركة في أول مباراة له، وعندما أذهل غاغو الجميع بمن فيهم المدرب الكبير لفت انتباه المراقبين بتمريراته الدقيقة ورؤيته الشاملة لكامل أرجاء الملعب، رغم أن بوكا خسر المباراة بهدف.
والآن بعد انضمامه لريال مدريد يتفاءل عشاق النادي الملكي بمقدمه في ظل الظروف التي يواجهها ويتشاءم البعض أن استقدام المواهب اللاتينية الشابة مغامرة قد تنجح وقد يطالها الإخفاق عطفاً على تجربة البرازيلي روبينيو الذي توقع له العالم التألق ووصفه بيليه بأنه خليفته المتوقع، لكن قطار نجوميته أصابه البطء، فماذا يفعل غاغو من مساهمات على يد المدرب كابيللو؟
رغم تألق غاغو إلا أن المآسي أطلت برأسها مجدداً عندما بدأت المفاوضات بين بوكا جونيورز وريال مدريد الذي كان في أمس الحاجة لخدمات غاغو لرأب الصدع في خط وسطه، بينما كان بوكا يتمتع بتقدم مريح بالدوري الأرجنتيني قبل أن يطاردهم استودبانتيس بقيادة المدرب واللاعب السابق سيميون إلى أن تعادل معهم في النقاط، مما استوجب أداء مباراة «البلاي أوف» لتحديد بطل الدوري.
وهنا نشرت الصحف أن عقل غاغو كان غائباً مع صفقة ريال مدريد ـ وتابع الجميع المقابلة التي أجراها مع تلفزيون النادي الملكي متحدثاً عن مستقبله في ريال مدريد وعندما واجهه الصحافيون عما قاله أجاب: «أنا عاشق لبوكا جونيورز وأرغب في تحقيق بطولة الدوري معه ـ ولا أعرف شيئاً عن ريال مدريد ـ حتى والدتي لا تعرف عنه شيئاً».
لكن غاغو غاب عن مباراة «البلاي أوف» مع بوكا أمام استودبانتيس لكن بوكا والريال لم يتوصلا إلى اتفاق مالي حول صفقة انتقاله التي بلغت 21 مليون يورو قبل أن يحسم الأمر أخيراً بموافقة الطرفين. وبعد أن حصل غاغو على نصيبه من الصفقة قال في خجل «أعتبره حلما تحقق بأن العب مع ريال مدريد إلى جانب كبار النجوم الذين كنت أتابعهم بإعجاب من شاشة التلفزيون ـ
والآن آمل أن أكون عند حسن ظن المدرب الكبير كابيللو والفوز معه بالكثير من الألقاب مثلما فعلنا مع بوكا جونيورز. وأضاف غاغو لا أستطيع المقارنة مع ريدوندو رغم إعجابه الشديد به وما قدمه للكرة الأرجنتينية ومع كل من ريال مدريد وتنريف قبل أن ينهي مشواره مع ميلان الإيطالي.
ريدوندو مثلي الأعلى
يتحدث الجميع عن الفتى الذي يقدم كرة تذكرهم بالنجم الأرجنتيني السابق فيرناندو ريدوندو، وما ذهبوا إليه لا يعتبر مصادفة كون غاغو خريج أكاديمية «كلوب بارك» إحدى أفضل أكاديميات أميركا الجنوبية الكروية والتي تخرج منها أمثال خوان رومان ريكيلمي وجميعهم تلاميذ المدرب والأستاذ رومان مادوني.
يقول غاغو عن ذلك التشابه: «ريدوندو مثلي الأعلى، وأنا مهووس تماماً بأسلوبه المميز داخل الملعب إلى درجة أنني أحتفظ ببوستر ضخم له في غرفة نومي ومعه العديد من أشرطة الفيديو له عندما كان لاعباً في صفوف ريال مدريد، ولا أخفي أنني أحاول تقليده في أسلوبه الرائع، كذلك أنا معجب باللاعب استيبيان كامبياسو، وكلاهما متشابهان من حيث الأسلوب.
ويذكر غاغو أنه عندما جاء كشافو فريق برشلونة لمناقشة إمكانية تسجيله في كشوفات الفريق الكاتالوني فوجئوا بأنه سبق له زيارة مدريد واستاد سانتياغو برنابيو العتيق، بل إنه أدهشهم بالقول: «لا تتعبوا أنفسكم فأنا راغب في اللعب مع ريال مدريد».
بعد أقل من عامين من أول مشاركة له كان غاغو قد حقق الفوز بلقبين بالدوري الأرجنتيني مع بوكا جونيورز ـ وأثبت لإدارة النادي أنه كان البديل المناسب لسلفه الفريدو غاسين الذي بدأ في البحث عن فريق آخر بمجرد تألق غاغو الذي اشتهر بشعره الأشقر الطويل وحضوره القوي في وسط ملعب بوكا.
وعندما تولى الفيوباسل مسؤولية تدريب بوكا جونيورز في منتصف 2005 عمل على تأكيد تألق غاغو مع فريق يعج بالنجوم الكبار أمثال جيرموباروش، مارتن باليرمو وروبرتو أبوندانزيري وآخرين ـ وبالفعل أصبح غاغو حجر الأساس في تشكيلة نجحت بالفوز في عدد كبير من البطولات الأرجنتينية علاوة على مشاركته مع المنتخب تحت 20 سنة في مونديال الشباب بهولندا برفقة زملائه ليونيل ميس، سيرجيو أغويرو، خوان مانويل توريس وغابرييل بالتيا بقيادة فرانسيسكو فيرارو.
وكانت لحظات صعبة بالنسبة لغاغو الذي كان والده يعاني من مرض خطير لفترة ثم توفي قبل أيام قليلة من انطلاق مونديال الشباب بهولندا. ورغم هذه المحنة استطاع غاغو المساهمة بفعالية مع زملائه إلى أن حققوا الفوز بالكأس المونديالية للمرة الخامسة.
جاءت مشاركة غاغو الدولية الأولى في مونديال الشباب تحت 17 سنة بفنلندا 2003، وهناك احتل المنتخب الأرجنتيني المركز الثالث ـ وهناك شارك غاغو أساسياً في مباراتين منذ بدايتهما أمام نيجيريا وكولومبيا، كما شارك في ثلاث مباريات أمام كل من أستراليا، كوستاريكا والمكسيك.
وفي تلك البطولة قدم غاغو أفضل ما لديه من مهارات وأثبت أن جهود مدربه باسيل في بوكا جونيورز كانت صائبة والمصادفة هنا أن باسيل سبق له أن درب ريدوندو المثل الأعلى لغاغو، وذلك خلال مشاركة المنتخب الأرجنتيني الناجحة التي قدم فيها كرة اعتبرها النقاد الأفضل على العالم، وبالفعل عاد بكأس مونديال 1994 في الولايات المتحدة.
وعندها منح المدرب باسيل ريدوندو حرية الحركة في أرجاء الملعب دون مركز محدد ليضع التمريرات لزملائه من كل زاوية. وبعد عشرة أعوام من ذلك لعب غاغو نفس الدور ليسجل قصة نجاح مماثلة لما قدمه ريدوندو. وهنا انتبه خصوم غاغو لأسلوبه المميز في الأداء، وبدأ كل فريق في تخصيص لاعب وسط متفرغ لمراقبته مراقبة الظل للحد من مجال مناوراته ـ هذا الترتيب نجح غاغو في ضربه بالتوغل أكثر نحو منطقة جزاء الخصم ليتحول إلى مهاجم.
هل يحسن كابيللو الاستفادة من غاغو؟
عندما لعب غاغو أولى مبارياته عام 2004 سأل النقاد مدربه بنيتيز: أليس من الأفضل إشراكه في عمق المنطقة المتاخمة لجزاء الخصم ليقوم بحلقة الوصل بين الوسط والهجوم؟ ورغم ذلك واصل غاغو اللعب في الوسط باعتبار أنه يلعب بطريقة أكثر ارتياحاً في تلك الخانة، وهي الخانة التي نجح من خلالها في زعزعة ثقة الفرق الأرجنتينية التي لعب ضدها بحيث يضطر كل فريق لتخصيص لاعب لمراقبته كالظل طوال زمن المباراة.
وهو ترتيب تلجأ إليه الفرق التي يلعب أمامها غاغو وإن استغربه النقاد كونه لاعب وسط، وعادة لا تلعب الفرق بهذا الأسلوب إلا أمام المهاجمين الخطيرين المعروفين بتهديد مرماهم. لذلك واصل غاغو اللعب في خانته التي يربط من خلالها بين خطي الوسط والهجوم سواء مع فريق شباب بوكا جونيورز أو مع منتخب الأرجنتين تحت 17 سنة بإدارة المدرب هوغو توكالي الذي قاد المنتخب خلال بطولة العالم تحت 17 سنة عام 2003 في فنلندا.
يقول المدرب توكالي: «لعبت في نفس الخانة لكنني كنت أتقدم قليلاً نحو الهجوم أمام لاعبي الوسط، والسبب أنني كنت أتمنّع برؤية أفضل لزملائي في الوسط، كما أنني وجدت صعوبة في اللعب وظهري نحو مرمى الخصم». السؤال المطروح حالياً: هل بإمكان المدرب كابيللو إشراك غاغو كلاعب أساسي مع فريق ريال مدريد؟
معروف عن كابيللو أنه يلعب بإشراك لاعبي وسط مسّاكين منهم الممون غوتي ولاعب وسط آخر ذو نزعة هجومية يعتمد على تمريرات زميله الآخر.ولهذا السبب نصح المدرب الأسطورة لويس مينوتي الفائز بكأس العالم 1978 مع الأرجنتين، نصح غاغو بالتوقيع لفريق برشلونة لتناسب أسلوب الفريق الكاتالوني مع إمكانياته.
الفرق الوحيد هنا أن ريدوندو كان يتمتع بالسرعة الفائقة والمقدرة عل الانتقال إلى الهجوم أكثر من غاغو الذي يميل إلى التمركز في منطقة أقرب إلى منتصف الملعب ويرتاح أكثر إلى التمريرات القصيرة، وبالتأكيد لا يعتبر غاغو من الخبراء في مسألة مراقبة الخصم، لكن مهاراته الأساسية تكمن في مقدرته على رؤية أي زميل له من المركز الأفضل فيرسل الكرات الدقيقة يميناً ويساراً يساعده في ذلك طول ساقيه وحسن تمركزه.
وكان ريدوندو أول من مدح مستوى الشاب غاغو بقوله: «يملك قدماً حساسة، وأعتبره مشروع لاعب كبير في المستقبل القريب مثله في ذلك مثل البرازيلي كاكا مع ميلان الإيطالي والأرجنتيني ميسي مع برشلونة الاسباني وتابعته وهو يرتدي فانيلة الفريق ونزل إلى الملعب في سمة اللاعب الذي يعرف ماذا يريد، وهو يجعل نفسه متاحاً دائماً لتلقي تمريرات زملائه ويرفع رأسه لمتابعة ما يدور في أرجاء الميدان ويحسن قراءة المباراة.. وهذا ما يعجبني فيه.
محمد سيف النصر



