المخرج عبدالله المناعي ظاهرة في المسرح الإماراتي، فهذا المسرحي الذي شارك في رسم ملامح الحركة المسرحية المحلية منذ البدايات وما زال يصر على تأكيد استمراره في هذا الإسهام، في العام الماضي كرمته دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة بافتتاح قاعة باسمه في المنطقة التراثية بالشارقة القديمة، حيث يوجد محترفه وخشبة المسرحية التي يمرن ويدرب ويتحتضن فيها الطاقات الشابة والواعدة التي تمتلك البذرة المسرحية الأولى..هذه القاعة أيضا تضم معرض صور لتاريخ وأعمال المناعي..

مساء أول من أمس قدم المناعي مخرجا ضمن مهرجان أيام الشارقة المسرحية وعلى هامش المسابقة الرسمية مسرحيته «غلط» من تأليف طلال محمود ومن بطولة الفنان المسرحي القدير حميد سمبيج وهو عرض مونودرامي يتناول دواخل إنسان مهمش يعيش في الطرقات حاملا صرة كبيرة بها ما استطاعت أنامله المرتجفة ان تجمعه وتلتقطه من الأرض، أقمشة وعلب فارغة، وكأنه زبال قرر ان يوظف ما تبقى من ايام عمره لجمع ما يفيض عن الحياة.. المناعي في صمته وسكوته العميق والطويل ما زال يصر النحت في فضاء الخشبة بأسلوبه الجميل والممتع في مستوى التلقي والمرهق والشاق في مستوى الاداء والتدريب..هذا النحت الذي خبره المناعي نتيجة تجارب واطلاعات كثيرة وعمل دؤوب.. اما الفنان حميد سمبيج فقد ادى اكثر من اربع شخصيات مختلفة كانت تتداخل وتتقاطع تختلف وتقترب من بعضها البعض هنا وهناك..يحمل هذا الرجل عبء ذنب احتراق أولاده في بيتهم دون ان يتمكن من فعل شيء، يستعدي حميد كل الذين أحبهم ومضوا عنه من خلال صرة الملابس وسيتجسد فيها بأشكالها المختلفة..

المناعي في عرض غلط ومع فنان مثل حميد سمبيج كان بحاجة كبيرة إلى نص مسرحي يتمتع بمستويات خطابية ودلالات أكثر عمقا من مجرد سرد حكاية رجل فقد السعادة نتيجة فراق أهله ومن يحب..كان بحاجة إلى نص يغوص عميقا في قضايا أكثر توترا واشتعالا، لأن مخرجا عملاقا مثل المناعي لابد وان يقف أمام نص يستفزه ويستعدي فيه روح المغامرة الجديدة.. جمهور الأيام صفق كثيرا للمناعي لاستمراره وتواصله مع خشبة المسرح التي عشقها..

عرض فتون

من إخراج حكيم جاسم ومن تأليف شريف العوضي قدمت فرقة مسرح الفجيرة القومي عرضها «فتون» ليلة أول من أمس ضمن مسابقة مهرجان ايام الشارقة المسرحية.. واختلفت الآراء حول أشكال النص وأشكال الأسلوب الإخراجي الذي عولج به أثناء الندوة التطبيقية، هذا الاختلاف تباين ما بين الذين وجدوا في النص ابعادا فلسفية في خطاب شخوص النص، وأبعاداً تجريبية ودلالاية في خطاب الفرجة الذي قدمه المخرج..وكادت تقترب الآراء حول مشهد البداية الذي وجده العديدون انه مشهد زائد ومنفصل عن صلب العرض..

تستهل مسرحية فتون فرجتها بنقاش حاد بين زوج وزوجة يجهزان مكان الفرح لزفاف ابنهما، تدخل فرقة الفنون الفلكلورية تزف العريس في طقس بيئي محلي وبالأغاني المحلية، ثم تمضي خارجة لتنزاح هذه المقدمة وتتوارى ويطبق الليل على ثلاثة عازفين من الفرقة قرروا النوم أمام دار العريس..وتتداعى اللحظات لنكتشف ان العازف الأول يحمل في داخله مأساة فقد حبيبته غرقا في البحر..

ثم يدخل النص في خطابه الفلسفي راميا خيوطه على انتكاسات الإنسان في هذا الزمن وما يحيط من أحداث..لدرجة ان أدبيات النص والاستعراض اللغوي باتت هي الهدف الأول فتحول الممثلون في إطار هذا الاستعراض إلى آلات توصيل فقط وأسرى لفرجة بصرية أرادها المخرج في استعراضات أخرى كانت مفردتها الكبرى قماشة بيضاء تشكلت خيمة وساترا وشرعا وكفنا ثم موجا غرقت فيه الفرقة..

جاء النص باللغة العربية الفصحى وجاءت ملابس الممثلين ملابس محلية بيئية وجاء الفضاء ومعطياته رمزيا ومختزلا في القماش الأبيض تنافرت المعطيات مثلما تنافرت الأساليب الأدائية عند الممثلين وتأسست الفرجة على مقولة بصرية أراد المخرج ان يلعب بطولتها على حساب كل المعطيات، فتحول الممثلون الى دمى تؤدي ما يطلب منها، مما اوقعها في الأسر والخنق ولم يتحصل لها اي مجال للتنامي الطبيعي لانفجارات الحالات الشعورية..هي لعبة مهندسة رتبت ترتيبا مفتعلا وقصديا دون الاتكاء على حالة طبيعية لا في الفضاء المؤثث على خشبة المسرح ولا في التعاطي مع اسلوب الاداء عند الممثلين..

وكان بالإمكان الانطلاق من الوحدة الأولى الأساس في هذا النص الذي يتكئ على حكاية عازف في فرقة الفنون الشعبية وجد نفسه شاغلاً لشموع أفراح الآخرين بينما انطفأت جميع الشموع في داخله لفقده من يحب..كم كانت ستسير الحالة باتجاه داخل هذا العازف البيئي لو أن التداعيات جميعها بما فيها الفضاء المسرحي سار باتجاه الداخل وباتجاه العمق بدلا من السير الخارجي الاستعراضي..

قدم عبدالحميد البلوشي أداءً متنوعا ومتلونا وشكل حضوره إلى جانب عبيد الهرش ثنائيا عنصرا ساعد على التواصل بكفاحهما المستميد لمد خيط الفرجة من الخشبة الى الصالة..وبرزت خفة ظل الممثل خالد علي في تداخلاته التي أضفت على حدية العرض نوعا من الدعابة والتنفيس وكان جديرا بذلك..

من جهة أخرى أجمعت آراء العديد من المسرحيين من المشاركين في الأيام ومن المتفرجين على ان الدورة السابعة عشرة للأيام دون المستوى في عروضها مقارنة بالدورات السابقة، وعزا العديدون هذا الضعف العام إلى غياب لجنة فرز العروض التي تم إلغاؤها والى دخول العديد من تجارب الهواة في المسابقة.

متابعة : مرعي الحليان