هذا الرجل السليط اللسان الذي يرتدي معطفاً من جلد الجمل، بني اللون. ليس رجلاً شريراً، إنما كان ثملاً فقط. لقد شعر بغتة بالاشمئزاز حين رأى فلبينيا أنيقاً. فراح يلاحقه من مكان إلى آخر في غرفة الانتظار وهو يصرخ:

ـ لقد أمرتك بأن تعود إلى بلادك. وألا تخالط البيض.

كان المسافرون ينتظرون موعد الصعود إلى المركب، الذي سيبحر إلى أوكلاند. لقد تعاطفوا مع الفلبيني. لكن أياً منهم لم يفعل شيئاً لينجد الفتى المسكين الذي كان يقف وسط الناس، والرجل الثمل يدفعه وهو يصرخ به:

ـ قلت لك أن تعود إلى بلدك، عد الآن، ارجع إلى وطنك.. لقد قاتلت أربعاً وعشرين شهراً في فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية.. فأنا أميركي أصيل.. لا أريدك أن تقف هنا بين البيض.

راح الفتى يبتعد بصعوبة وحذر ولطف عن طريق الرجل الثمل، شاقاً طريقه بسرعة عبر الزحام دون أن يتفوه بكلمة، باذلاً جهده كي يتصرف على نحو لائق. وراح يتفادى الرجل الثمل، الذي كان يتعثر أثناء محاولاته للحاق به ليمسكه.

ومع استمرار فشل السكران بالإمساك بالفلبيني، كان يتفاقم غضبه. فيعود لشتم الفتى، ويصرخ:

ـ أنتم أكثر رجال سان فرانسيسكو أناقة. مع أنكم تكسبون أجوركم البخسة، من غسل الصحون.

لا يحق لكم أن تكونوا على هذه الحال من حسن الهندام.

لقد خجلت النساء من شتائمه الكثيرة السفيهة، فتظاهرن بعدم سماعها.

انفتح باب قاعة الانتظار، عندما اقترب وقت انطلاق المركب. فحاول الفتى أن يهرب من الرجل السكران.

راح يشق طريقه عبر الناس برشاقة وسرعة، فوصل إلى المركب قبل أي مسافر آخر. التجأ إلى إحدى زوايا المركب. جلس لحظة، ثم نهض ليبحث عن مكان أكثر أماناً.

أما الرجل السكران فقد كان يطلق شتائمه بصوت عال، من الطرف الآخر من مركب. ففضل الفتى أن يبحث عن مكان آخر ليختبئ فيه.

ذهب إلى المراحيض ودخل إلى واحدة منها، وأحكم إغلاق بابها.

لحق به السكران ودخل المراحيض، ثم راح يسأل الموجودين في كل واحدة منها، عما إن كانوا قد رأوا فلبينيا يدخل إلى أحد المراحيض. ولم ينس أن يعلمهم:

ـ أنني أميركي أصيل.. لقد جرحت في الحرب مرتين.

ثم انحنى وراح ينظر من تحت أبواب حجيرات المراحيض، واعتذر من كل شخص لم يكن الفلبيني الذي يبحث عنه.

وعندما وصل إلى حجيرة الفلبيني، شتمه وطلب منه أن يخرج. صاح به:

ـ لا يمكنك الهرب مني. ليس من حقك استخدام مكان يستخدمه البيض. إن لم تخرج سأكسر الباب.

أجابه الفتى:

ـ أبعد عني!

لكن السكير راح يقرع الباب بقوة وهو يصرخ:

ـ سوف تخرج في النهاية.. سأنتظرك.

رد عليه الفلبيني:

ـ اذهب.. أنا لم أسئ إليك أبداً.

لكن السكير ظل يقرع الباب وهو يطلق الشتائم.

تفاقمت معاناة الفتى وهو ينتظر وراء الباب، حتى بلغت درجة الغيظ، فراح يرتجف. ثم فارقه الخوف من الرجل، وحل محله خوف من غضب يتفاقم في داخله.. أخرج من جيبه سكينا حادة، فتحها وأمسك بها بإحكام، ثم صرخ:

ـ اذهب. معي سكين، لكنني لا أريد أن أتورط بمشكلة.

أجابه السكير:

ـ أنا أميركي. أمضيت أربعة وعشرين شهراً في فرنسا.. جرحت في الحرب مرتين، مرة في ساقي، ومرة في فخذي.. لن أذهب. أنا لا أهاب فلبينياً وضيعاً قذراً أصفر، يحمل سكينا.

أجابه الفتى:

ـ لا أريد أن أقتل أحداً. أنت سكران. اذهب أرجوك. لا تسبب لي المتاعب.

وكان الفتى يسمع حركة المركب الذي يشبه في تخبطه غيظه المتعاظم. غيظ يشعر به امرؤ أهين وطورد وأجبر على الاختباء.. لم يعد الفتى يفكر إلا في الخلاص من الحال التي حُشر فيها، ولو كلفه ذلك أن يقتل رجلاً.

فتح الباب على سعته وحاول الهروب متفاديا الرجل وهو يمسك بالسكين. لكن الرجل أمسك به من كمه وأوقفه. تمزق كم الفتى، فاستدار وأغمد السكين في خاصرة السكير. أحس بها تصطدم بالضلع. صرح السكير واطبق كفيه على عنق الفتى. فكانت ردة فعل الفتى، أن أغمد سكينه في خاصرة الرجل مرات عديدة، مثل ملاكم يضرب خصمه.

وعندما لم يعد السكير قادراً على الإمساك بالفتى، وقع على الأرض فخرج الفتى من الغرفة مهرولاً حاسر الرأس مشعث الشعر وقد تمزق كم معطفه، والدم يسيل من حد السكين التي لا تزال في يده. فأدرك الجميع ما فعله الفتى بالسكير. ولكن أحدا منهم لم يفعل شيئاً.

هرع الفتى إلى مقدمة المركب، يبحث عن مكان يلتجئ إليه. ثم جرى عائداً إلى الزاوية، دون أن يجرؤ أحد على أن يسأله لماذا طعن السكري.

وقبل أن تأتي شرطة المركب، وقف فجأة وصرخ في الناس:

أنا لم أكن أريد أن أسيء إليه. لماذا لم توقفوه؟ أيحق لأحد أن يطارد رجلاً كأنه يطارد جرذاً؟ كنتم تعرفون أنه ثمل. أنا لم أرد إيذاءه. لكنه ظل يلاحقني، ومزق معطفي، وحاول خنقي. لقد أعلمته بأني سأقتله، إذا لم يدعني أذهب بسلام. لم تكن غلطتي.. يجب أن أذهب إلى أوكلاند لأرى أخي. انه مريض.

أتظنون أنني أبحث عن المتاعب، وأنا مسافر لأرى أخي المريض.. لماذا لم تردعوه؟!

ترجمة د. رشا الجديدي