لا بد من الإشارة بداية إلى الاهتمام الذي يوليه المسؤولون في هذه الدولة بالشأن الثقافي، والإشادة بهذا الدعم الذي يقدمونه للفرق المسرحية.. ولا بد من التأكيد على أن الحراك المسرحي عامة- ومن ضمنها أيام الشارقة المسرحية- بات يشكل ظاهرة قلما نجد مثلها في الوطن العربي..
ولكن تلك الأيام التي وصلت إلى دورتها السابعة عشرة، هل تتطور تصاعديا ؟ وهل تبلور مواهب وتراكم خبرات وتمد الساحة بكوادر جديدة على الأصعدة؟
إن تلك الأيام بلورت وضعاً مسرحياً إماراتياً صار له وزنه وخصوصيته عربياً، ومدت الساحة المسرحية في الدولة بكوادر جديدة، وشكلت جمهوراً واعياً ومتابعاً يملأ الصالات طيلة الأيام، وارتقت بمستوى العروض من حيث النص والإخراج والتمثيل، ولكن هل حافظت على المستوى نفسه أم تسامت به صعوداً ؟ أم ماذا ؟
إن المتابع لتلك الأيام في هذه الدورة سيجد أن ثمة تباينا واضحا بين العروض، وخاصة من حيث النصوص التي هي أقرب إلى الدراما التلفزيونية منها إلى المسرح، ويغلب عليها السرد، أي الحكي عن الحدث بدلا من القيام به على الخشبة، مع العلم أن المسرح هو فعل وردود أفعال...
إضافة إلى وجود أجواء مشتركة تتكرر في الأعمال، كما تتكرر شخصيات معينة كالعميان مثلا، إضافة على سطحية الطرح في تناول علاقة المرأة بالرجل، أو في التطرق لبعض القضايا السياسية، والشغل على مفردات مشتركة كلون البشرة أو الجنسية..
وكل هذا يتم غالباً مع عدم احترام لذكاء المشاهد، أكان من حيث المكان أو الزمان، أو من حيث الشخصيات ومقولاتها وحركتها وعلاقاتها وحتى لغتها التي لا تتناسب واقعها، أو من حيث المضامين والموضوعات المطروحة... ويتقاسم المسؤولية هنا المخرج مع المؤلف، إذ يمكن تجاوز بعض الثغرات في النص أثناء معالجته درامياً، لكن ما يحدث هو العكس، وخاصة في حالة الخلط بين الواقع والرمز، والفنتازيا واللامعقول، والتجريب والتجريد و.. مما يثير السؤال الأكبر: لماذا هذا التباين، وأين محصلة تراكمات التجارب طيلة السبع عشرة سنة الماضية؟
إن الحراك بمعناه الجدلي لابد أن يقوم بعملية غربلة وإضافة... وتقييم عملية التطور تأخذ شكلها التراكمي بين دورة وأخرى وعرض وآخر، والإضافة تعني مد الساحة بكوادر جديدة تتجاوز سلبيات القديمة وتتمايز عنها، وتجارب تزداد نضوجاً.. لكن ما يحدث في هذه الدورة لا يحقق تلك المعادلات على ما يبدو، فثمة عروض لا ترتقي إلى مستوى تاريخية أيام الشارقة المسرحية، لماذا؟ هل يمكننا إرجاع ذلك إلى إلغاء دور لجنة اختيار العروض المشاركة، أو لجنة تقييم للمستوى إن صح التعبير؟
وهذا لا يعني إقصاء التجارب الشابة عن المشاركة، بل صياغة مشاركتها بطريقة تجعلها في طور التجريب، وذلك بخضوعها لكل قواعد وقوانين الأيام، وخاصة ما يتعلق بالنقد والحكم عليها، ولكن إخراجها عن معايير المسابقة الرئيسية، لأنه إذا كان الهدف بمشاركتها هو الكم، فمن المحزن مثلا أن يشارك مؤلف بخمسة نصوص- مع احترامنا الشديد لإبداع وجهد الجميع - أو أن يقوم مخرج بإخراج عملين ويشارك بثالث، مما يعني تشتيت الجهد، وإعادة التساؤل من جديد عن فعالية تلك الأيام - وتلك الأيام نداولها بين الناس - في مد المسرح بكوادر جديدة على صعيد التمثيل والإخراج والتأليف تتناسب مع هذا الكم من الفرق؟