مع تواصل عروض أيام الشارقة المسرحية في معهد الشارقة للفنون، قدمت مساء أول من أمس فرقة حتا للثقافة والفنون الشعبية مسرحية «مندلي» من تأليف الدكتور جواد الأسدي وإخراج محمد صالح، وقدمت فرقة المسرح الحديث مسرحية «البقشة» من تأليف إسماعيل عبدالله وإخراج أحمد الأنصاري، وقياساً بما عرض من أعمال داخل المسابقة، فإن العرضين تميزا بالجرأة من حيث الطرح ومن حيث التجريب، وارتقيا بالمضامين والمعالجات الإخراجية.

وبغض النظر عن تاريخية العلاقة بالمسرح وعمق الخبرة بين المشاركين في المسرحيتين، فإن محاولة محمد صالح يشهد لها بجرأته في محاولة استيعاب نص صعب بطريقته الخاصة، مما أوقعه في بعض المطبات، وربما زاد من عمقها أن العمل خضع لتجارب إخراجية اطلع عليها الجميع،

والأهم هو أن النص يتناول إشكاليات الخيانة بمناحيها الخاصة والعامة، الوطن والمرأة العشيقة، الوطن والمرأة الأم، حماة الوطن ومهزوميه، العلاقة بين الداخل والخارج، نص مكثف كهذا، لكل كلمة فيه دلالة معينة، فإن اشتغال المخرج على اشتعال الدواخل وسط هذه العتمة، وبهذا الترميز أو التجريد، وبهذا الإيقاع البارد،

كان يجب أن يكون مركزاً على الممثل، في اختياره أولاً، وتناسبه مع الدور، من حيث الشكل والقدرات التعبيرية والصوتية ثانياً، والأهم قدرته على استيعاب النص، على فهم دلالات المفردة، ووقع الكلمة على الطرف الآخر، وخاصة في ظل الفوارق الاجتماعية بين الشخصيات، والمراتب العسكرية التي تشكل هرماً ما يبنى عليه التداعي، كما السقوط أيضاً.

وجرأة محمد صالح لم تتوقف على تناوله كنص كهذا، بل على التعديل فيه من جهة، وعلى معالجته الإخراجية من جهة ثانية، وخاصة حين تصير الإضاءة جزءاً من الإخراج، ودوراً من أدوار الممثل أيضاً، مما يظهر الجهد الجماعي بوضوح، ويمنح لهذا المخرج الشاب خصوصيته، وهي تجربة تستحق المتابعة.

في المقابل حققت مسرحية «البقشة» وحدة بين الشكل والمضمون، وعلاقة مميزة بين المتعة والفرجة، وطرحت أسئلة جديدة عن مسرح «الشباك» مع الجرأة في الطرح، والارتقاء بالمضامين. وإن كان ظاهراً بوضوح موهبة الممثلين، فإن المخرج قام بمسرحة النص ومن ثم إخراجه، وهذا ما حدث في أغلب الأعمال التي عرضت، لأن النصوص أقرب إلى الدراما التلفزيونية إلى المسرح، والحكي عن الحدث أكبر بكثير من الحدث على المسرح، مع إقرار الجميع بأن المسرح فعل وردود أفعال.

المسرحية تحكي عن مقهى يديره «الصفرد» الممثل حسن رجب، وتقول اللافتات المعلقة، إنه خاص بكبار القوم، وضمن ساعات محددة، ولا يستقبل العاطلين والمثقفين، يدخل إلى المقهى جمال السميطي «ثاني» وجاسم الخراز «مسعود» ومرعي الحليان «مشعل» بعد أن تتعطل السيارة التي كانت تقلهم،

ويكون صاحبها «المحش» موسى البقيشي الذي يلحقهم إلى المقهى كي يحصل أجور نقلهم، ويسألهم عن صاحب الصرة «البقشة»، خمس شخصيات مختلفة المرجعيات، تجمعوا في المقهى، الحوار بمفارقاته اللغوية وحركات الممثلين وموهبتهم تشغل الجمهور وتنقله إلى أجواء كوميدية ممتعة، «البقشة» التي لا يعرف صاحب السيارة لم تكون،

وما الذي في داخلها تشد الجمهور وتشكل تصاعداً درامياً، خاصة حين يزعم «صرفد» إن في داخلها قنبلة، إغلاق باب المقهى وعدم إمكانية فتحه يكمل هذا التصاعد، وفتح «البقشة» ووجود عباءات «بشوت» في داخلها، يصل إلى قمة التصاعد الدرامي، إلى أعلى الخط البياني،

ومن ثم يتم التداعي بعدها، ومن خلال «البشت» تنفتح حوارات جديدة وتظهر دواخل الشخصيات ومرجعياتها، بين الواقع والأحلام، وتحتدم الخلافات، وتكون النهاية إن الباب ليس مغلقاً، وتنسدل «البشوت» كانسدال الستارة لنهاية المسرحية.

دراية المخرج بالنص وبأدواته، والجهد الجماعي في مسرحية «البقشة» وحرفية الممثلين ضبت إيقاع العمل وساعد على تصاعده الدرامي، وجاءت التداعيات أو «السرد» ضمن منولوجات لها نقاط ارتكازها على الخشبة، فرفعت من قيمة الطرح وأصبغت عليه بعداً تراجيدياً ارتقى بالمضمون من جهة، ووازن بين الكوميديا والتهريج والفرجة والمتعة، والفائدة من جهة ثانية.

وكون الخلط في المسرح سانداً هذه الأيام بين الواقعية والرمزية والمعقول واللا معقول، والتجريب والتجريد، فإن دور «صرفد» في مسرحية «البقشة» كان كمعادل موضوعي داخل العرض، فهو الأعمى المبصر، اشتغل على الحلم، لتمرير ما كان رمزياً، أو لتوصيل فكرة غير معقولة مع الحفاظ على واقعية المسرحية، وهو العارف الجاهل، اشتغل على خلق أحداث لا تصدق وتصدق «كالذي يكذب على نفسه ويصدق كذبته» كوجود قنبلة داخل «البقشة»،

بل ويمكن أن يقتنع المشاهد بأن كل ما صار في المسرحية كان لعبته هو وهذا ما جعل المسرحية تحافظ على واقعيتها، مع وجود فنتازيا عالية أحياناً وتراجيديا محبوكة أحياناً أخرى، وعلى الرغم من بساطة الديكور، فإن الشغل على الإضاءة ساعد كثيراً على تجيير المكان لصالح الشخصيات المتبدلة، وأصبغ على التداعي أجواء مكملة للبوح، وخاصة مع بعض الموسيقى «التصويرية».

كما ولعبت المكملات الأخرى أدواراً لافتة في تنوعها، فإضافة " للبشت " هناك الإكسسوارات الأخرى، كعكازه " صرفد " مثلاً، التي تتحول إلى عصا للجولف، وللبلياردو، ولبندقية صيد..الممثلون يمتلكون تجارب متباينة، لكن أداءهم كان متقارباً، مع الإشارة إلى فهم كل منهم لدوره بشكل جيد، ونلاحظ ذلك بوضوح في دور المثقف الذي أجاده مرعي الحليان، ودور حسن رجب وتكنيكه اللافت، تداعيات موسى البقيشي، وعنجهية جمال السميطي، وموهبة جاسم الحراز التي أهلته كممثل شاب أن يجاري المحترفين.

الشارقة ـ محمود أبو حامد