المجال الفكري المصاحب لمهرجان الشارقة المسرحي طرح عملية الإخراج كقضية رئيسية تناولت كيفية وإمكانية تحويل النص إلى عرض، ومشروعية ذلك ومتطلباته، كما طرحت بعض الورقات المشارِكة، ما على كل مخرج من ضرورة التجدد والاقتراب من الجمهور،
وذلك من خلال قراءة النص قراءة فنية مكررة، وإمكانية اعتبار الإقبال الجماهيري على عرض مسرحي مؤشر نجاح. إلى جانب الدعوة إلى بناء أجيال لمسرح جديد، والدعوة إلى حاجة المسرح الضرورية للقيام بثورة لإعادة الروح إليه، وما قد يثيره ذلك من وجهات نظر مختلفة.
حول هذه الإشكاليات، وما لها وما عليها سجلنا هذا الرصد لآراء التقطناها من كواليس الأيام في ما يتعلق بالفكرة الرئيسية التي أطلقت كمحور للدورة السابعة عشرة لأيام الشارقة المسرحية، وهي.. (الإخراج من النص إلى العرض) وما تفرع عنها.
- أبدى المخرج المسرحي الكويتي فؤاد الشطي قوله: أن اقتران نجاح العرض المسرحي الجماهيري بمستوى العروض المسرحية وجودتها وإتقانها ليس مؤشرا؛ لأن واقع الأمة العربية أن الإقبال الجماهيري الكثيف ليس دليلا على نجاح العمل المسرحي، فكم من عرض على مستوى من الإتقان لم يحظ بإقبال جماهيري، وذلك نظرا للواقع العربي السيئ؛ فإن تنجح مسرحية جماهيرية ليس مقياسا للجودة.
- وقال المخرج العراقي قاسم محمد: ان ما أثار انتباهي ومنحني قليلاً من الأمل القول ان (المسرح يحتاج إلى ثورة تعيد الروح إليه) وتساءل عن ماهية هذه الثورة؟ وكمخرج.. ماذا علي أن أفعل من خطوات لحصول ذلك؟! وأشار، إلى أن الثورات الجيدة يُنشد بها المستقبل؛ فما هو هذا المستقبل الجديد؟!
كما علق على دعوة تغيير الأجيال متسائلا: كيف علينا المضي إلى بناء مسرح جديد؟ بينما أكد: لحصول ذلك التغيير على الحاجة لان يكون هناك نوع من الممارسات والورش العملية والاشتغال لهذه القيم العظيمة، وحرص على: ضرورة التأكيد عليها في كل لقاء لنخرج من هذا الموات.
- أما المخرج التونسي المنصف السويسي: فقد بدأ تعليقه قائلا( كبيرنا الذي علمنا السحر) باعتبار أن المسرح هو السحر. وتساءل كيف نبني مسرحا جديدا؟ وعلى أي أسس من البحث المعاصر الجديد؟ فلا شك أن هناك سبلا أخرى، وإمكانات أخرى لا نعرفها، ويمكن أن نتفاجأ بها!
وأضاف: هل على المسرح أن ينكفئ على نفسه من الداخل، ويبقي على العلاقة الجدلية؟ وهل المجتمع هو من يحتاج إلى ثورة أم المسرح؟ وفي خضم هجمة العولمة والتي أخشى أن تكون (الغولمة) التي تجعلنا غلمان لدى الأميركان؟! ورأى أن ضرورة الثورة يجب أن تكون على واقعنا المأساوي والمأزوم.
ثم قال: رأيي أن النقطة الأهم هي (محترف المسرح) وهناك فارق كبير بين من يعيش للمسرح أي من يأكل ويشرب ويفكر وينام ويصحو ويجعل حياته كلها للمسرح؛ بمعنى يتحرك مسرحا، وبين الذي يتعامل مع المسرح كبدلة يرتديها ويتأنق بها أمام الآخرين. أما في ما يتعلق بالنص فأفكر في النص باعتبار جمهور المسرح، هي النجاحات الجماهيرية، والأقوال الشعبية التي ربما هي التي قمعت اليوناني القديم.
- د. محمد هناء عبد الفتاح - مصر: حذر من قراءة النص الملتبسة أو الخائبة والسالبة قائلا: إن مسألة قراءة النص المسرحي عدة قراءات وليست قراءة واحدة، ذلك في النص القابل للقراءات، وهو بذلك يكون نصا عظيما. لكن مع نص مثل (تاجر البندقية) وقد قدمت في إسرائيل من دون تغيير أي كلمة في النص، وقد أخرجت تعاطفا مع التاجر اليهودي شايلوك وتعاطف معه الجميع، أظهرت أنه الجانب المظلوم.
ما أود قوله هو انني أخشى أن تكون القراءة سالبة وخائبة وتلتبس في ما هو ضد الفكر، مما يجعلنا نؤكد على مشروعية المخرج؛ بمعنى أن يكون له مشروع في هذا المجال، وأن يكون للنص مضمون ويستند إلى الجماهيرية، ولابد أن يتحول العمل المسرحي إلى مشروع فكري.
- محمد كوكه- تونس: أرى أن المسرح مشروع فكري، ولابد من حضور مسرح المدينة والإقبال على العرض المسرحي ونجاحه، وتبليغ معان للجماهير من خلاله، وأضاف: يبدو لي أن الإقبال الجماهيري هو مقياس وامتياز موضوعي، وهناك أعمال فيها فلسفة غامضة؛ لكن الجمهور لا يفهمها، وغياب الجمهور عن العمل هو غياب نسبي ولا يعني عدم النجاح.
أما المقصود بالثورة على المسرح، وهو ما أسمعه الآن فقد سمعته واسمعه من أربعين سنة! وفي رأيي الثورة المسرحية عمل متواصل وإقبال من الجمهور، وأي مخرج مثقف وفيلسوف ممحون بالمسرح ويعرف قيمة المسرح في المدينة؛ عليه أن يبحث عن المسرح الجيد، والرهان هو تقديم مسرح مفهوم من جميع الشرائح.
وأضاف هل أقول ( أعطوني مسرحا أعطكم شعبا عظيما) أو كما قال جان بول ( أعطوني مجتمعا جيدا أعطكم مسرحا عظيما) لأن المجتمع فقير. كما أني لا أؤمن بالمسرح السياسي ولكن أؤمن بمقولة سقراط (الترفيه عن الروح هو السياسي، والتنوير للفكر هو المسرح).
- حميد صابر- العراق: كما يُطرح في الفلسفة أسئلة معلقة، ولها أشواك، وجديدة قديمة من شأنها أن تدفعنا لديكارت (أن نشك حتى نصل لليقين) وأن نقرأ لابن رشد من جديد، أتساءل هل من الممكن أن نفصل المسرح عن البيئة العامة؟ أنا لا أرى المخرج في الوطن العربي مخرجا حركيا، فهو غير مؤدلج، ولا ينتمي لحزب سياسي، ولم يخرج عملا يترجم ذلك الفكر؛ على عكس بريخت الذي لم يكن منتميا؛ لكنه أخرج أعمالا تترجم الفكر الماركسي.
وتساءل: هل شهدت الظاهرة المسرحية تواصلا وانتشارا أم تذبذبا؟ وإلى أي عناصر الجذب الجماهيري الفنية يلجأ المخرج؟ أم أن الظاهرة المسرحية لم تتجذر وتنمو بحيث تصبح جزءا لا يتجزأ في المجتمع العربي، وأن تصبح جزءا وهمّاً؟ وأنا أشير إلى ظاهرة تواصل دريد لحام وعادل إمام وأرى أنها تستحق الدراسة، من خلال سؤال إن كان هذا التواصل نتيجة لنجاحهما أو لنجاح العمل؟
نحن بحاجة إلى محطات ذهنية تخترق العقلية في مجال المسرح.
- فتحي الهداوي- تونس: لابد من الاستفادة من لقاء العاملين في مجال المسرح، وخاصة المسرحيين، على الرغم من إن تكرار المناقشة في الغرف المغلقة أمر ممل، لكني أتساءل: هل البحث عن النص لدى المخرج ليقدم نفسه من خلاله، أم ليقدم قضية وموقف؟! وندرك أن أمام المخرج دائما الكثير من الخيارات؛ لكنه في النهاية لن يستطيع إلا أن يقدم خيارا واحدا.
فإذا كان يقدم نفسه من خلال العمل، فإن هناك العديد من المكتبات التي سيجد على أرففها ما يمكنه من تقديم مهاراته، أما إذا أراد إسقاط موقفه كمخرج من القهر ومن الظلم الواقع من السلطة فإن ذلك سيؤدي به إلى لي عنق النص ليتمكن من تقديمه.
إن المخرج يختار قضية ما، وهنا الرهان لتكون قوية وفاعلة، لكن إن كان المخرج قادما من حقل الشعر مثلا فإنه ينقل ذلك إلى المسرح؛ لكني أؤكد إن الصلة مع الجمهور مسؤولية المخرج، وعليه أن ينفذ إليه من خلال وسائل التحايل السبع.
- د. احمد عبد الحليم - مصر: نحن ننسى أهمية وجود الجماهير لمسرحية. إذ لابد من اختيار النص الذي يهم كل الناس والجماهير، ويتكلم عنهم وعن همومهم من خلال الفرجة الموظفة بشكل مهم، من اجل أن يشتهي المتفرج هذا العرض.
فبعض عوامل الجذب هي ممثل مشهور، رسوم دخول قليلة، لكن الأهم هو: هل في أجندة المواطن العربي أن يذهب إلى المسرح؟!. ثم عرج على القراءات المختلفة للنص قائلا: هي أمر منطقي وذلك بسبب ازدياد معرفة المرء وتكاثر التراكم لديه على المدى، مما يجعله يقرأ ذات النص قراءة جديدة ومختلفة، وحين اختلف فليس الخلاف الإنساني، وإنما الاختلاف الفلسفي والفكري.
أما فكرة الثورة؛ فلست وحدي من يقوم بثورة، ولستم أنتم أيضا، ولكن تكاتف جهود الفنانين من اجل إقناع المسؤولين بأن يكون الفن ضمن منظومة هذا المجتمع، بل وكل الفنون، والعمل على إدخالها في مناهج ونظام التعليم منذ الصغر وحتى الجامعة، كمادة متدرجة ومغرية تغذي عقول الطلبة، وتخرج شبابا إما متذوقين للفن أو ممارسين له. ولابد من ملء العقل بالعلم، وملء الوجدان بالفن.
فالدول العربية لا تهتم بذلك، ففي مصر مثلا هناك دعم واهتمام إلا أن الفنانين لا يحاولون أن يغيروا من طبيعة تقديم أعمالهم المسرحية، ولا يبحثون عن إمكانية تجاوب الجماهير بكل شرائحهم. ولابد أن تضع الدول في إستراتيجيتها أهمية المسرح، وعلى الفنانين أن يكونوا جادين في محاولاتهم للوصول بصيغتهم إلى المسؤولين لتدخل هذه الصيغة ضمن الإستراتيجية.
تحقيق: فاطمة محمد الهديدي

