كشف اليوم الثالث في مسابقة مهرجان أيام الشارقة المسرحية عن طاقات ومواهب مسرحية شابة تلج للمرة الأولى إلى مناطق خطرة فوق خشبة المسرح وتحقق انجازا يستحق الانتباه إليه، بل وتبنيه خاصة إذا كنا نؤمن بأن مهرجان مثل هذا إنما يتخذ مكانه في الحراك الإبداعي في البلد لتعزيز ودعم واحتضان التجارب الفنية المسرحية، وان آليات المهرجان تسمح بهذا وتضعه على رأس أولوياتها..
فقد قدمت فرقة مسرح الشباب للفنون بدبي وهي فرقة تابعة لهيئة الشباب ولها توجهات في تبني المواهب المسرحية الشابة، مسرحية «القصيدة الأخيرة» من تأليف الكاتب عبدالله صالح ومن إخراج سالم باليوحة، والعمل وطئ مغامرته الأولى حينما تم اقتباسه من مسرحية شكسبير الشهيرة روميو وجولييت، ووطئ مغامراته الثانية حينما تم تكليف مخرج يشارك للمرة الأولى في مسابقة أيام الشارقة المسرحية، ووطئ مغامرته الثالثة بالتعامل مع مجاميع كبيرة فوق خشبة المسرح من بينها جوقة الفلكلور الشعبي.. أما العمل الثاني الذي جاء به اليوم الثالث للمسابقة فهي مسرحية لحظة زيارة لمسرح جمعية شمل للفنون الشعبية والمسرح من تأليف وإخراج سالم العيان وهو الآخر يدخل تجربتي التأليف والإخراج للمرة الأولى، وهي كذلك في مسابقة بحجم مسابقة أيام الشارقة المسرحية..وتأتي مغامرة العيان في الاشتغال والولوج إلى آتون نص مسرحي فلسفي لم يتوقف عن طرح أسئلة الفكر حول واقع مرير لا يرى فيه كاتب ومثقف العصر طريق النور أو طريق الحقيقة، وكأنه يعيش في حالة خرس حتى ولو كان يتكلم..
مغامرة أخرى أيضاً خاضها العيان حينما اعتمد في إخراج مسرحيته على التجريب في فضاء سينوغرافي لعبت الإضاءة فيه دور البطولة. وكانت المفاجأة ان يقدم العيان عرضا مشدودا ورصينا وباعثا على التأمل والقراءات الاستثنائية.
مخرجان يدخلان إلى معترك مسابقة مهرجان أيام الشارقة المسرحية في دورتها السابعة عشرة يحملان شيئا من الأمل وأشياء من مفردات اللعبة المسرحية الجيدة، وهذا ما يدعو لضرورة العناية بتجربتيهما.
في مسرحية القصيدة الأخيرة هناك طرح مباشر للصراع الطبقي الأزلي، ولموضوعة الثأر التي يوقد نار الفتنة ويضغط على زناد الموت بين أسرتين من علية القوم في قرية نائية، هناك في الزمن الغابر، أو في هذا الزمن الحاضر كما يأتي على لسان الراوي..حكاية حب عذري تحكم عليه أساليب اجتماعية قامعة للفرد، هي حكاية روميو وجولييت، لكنها في المعادل الموضوعي البيئي بين راشد وجميلة.. العمل كشف عن مواهب شابه في التمثيل من شأنها ان تنمو وتتقد أكثر بالاستمرارية والعمل الدؤوب، حمد الحمادي الذي لعب دور راشد، سعود عبدالرحيم، بدر الرئيسي، عبيد خلف وعبدالله الرشدي.. بدور فاطمة جاسم الريم عبدالرحيم احمد..وعلى صعيد الإخراج فان سالم باليوحة الذي وجد نفسه أمام كتل بشرية تأخذ مكانها على خشبة المسرح في مرات عديدة قدم ومضات إخراجية جيدة تستحق الالتفات، بالرغم من صعوبة إدارة هذا الكم الكبير من الممثلين.
«لحظة زيارة»
عرض مسرحية لحظة زيارة للكاتب والمخرج سالم العيان يبدأ في حديقة حيث عامل نظافة جسده الممثل القدير حسن يوسف، هذا الشاب الذي يؤكد في كل مرة انه ممثل يمتلك مخزونا من طاقة التعبير وقدرة على التلوين الأدائي والصوتي، ومثقف، أو كاتب، أو صحفي يدخل متعبا ليرتمي وينام على كرسي الحديقة..يستفز عامل النظافة هذا الرجل كي يتحادث معه، كي يفتحا صفحة الهموم اليومية ولا بأس من أسئلة وجودية وأسئلة أخرى فلسفية.
لكن هذا الكاتب لا ينطق بكلمة، يتحول صمته إلى حالة استفزاز عند عامل النظافة.. ثم تأتي نقطة التحول حينما يأت صوت دواخل هذا الرجل الصامت، صوت يدعوه إلى البحث عن مكان النور، ويدعوه إلى الكتابة..
يتحرك عامل النظافة لاستفزاز الكاتب، يتشكل له بألوان وادوار مختلفة كي يكسر حاجز الصمت بينه وبين هذا الكاتب المتهالك الذي يرتمي جثه هامدة فوق الكرسي..وبعد تداعيات واعترافات كثيرة من قبل عامل النظافة يكشف فيها عن الواقع الذي يحيط به.
حال الزمن الذي حول الموت والدمار والسرقة والنهب واستلاب الفرد من حاجاته الأولية، راحته، نومه، أمنه وأمانه، طعامه وشرابه، حريته إلى شيء عادي..نكتشف ان الرجل الذي نام فوق كرسي الحديقة وكل مكان من حوار إنما هو حلم..وان عامل النظافة رجل اخرس..هنا يرمي العرض بدلالاته الكبرى..نحن في زمن أصبح فيه من يمتلك القدرة على الكلام والكتابة اخرس..
العيان في هذا النص يقدم فكرة مفتوحة وقابلة للتأويل، وهو في معالجته الإخراجية يكشف موهبة لديها خيال مهم وقدرة على التعامل مع الفضاء المسرحي وتأسيس الأمكنة واللحظات بالاعتماد على مفردات بسيطة لها عمقها الإشاري والدلالي.
متابعة: مرعي الحليان

