ضمن أنشطة مركز محمد بن خالد في العين الثقافية أقيمت مساء أول من أمس الندوة الشهرية للكتاب حيث تم استعراض ومناقشة رواية «عيناك ياحمدة» للكاتبة الإماراتية آمنة المنصوري، وذلك في صالون الشيخة شما بنت محمد بن خالد آل نهيان الثقافي بمدينة العين. أدارت الندوة د. حصة لوتاه أستاذ بجامعة الإمارات، وبحضور عدد كبير من أساتذة الأدب بالجامعة وعدد من الكاتبات والمهتمات، وسبعين من عضوات الصالون.

قدمت القراءة الزميلة فاطمة الهديدي، واستعرضت بعض ملامح العمل الروائي الأول للكاتبة، وهو يتناول مرحلة بدايات الطفرة الاقتصادية، ويترجم حركة التحول الاجتماعي في الإمارات من خلال قصة حب ناعمة وهادئة ارتأت الكاتبة أن تبدأ بها الأحداث وتختمها بها وهو الأمر الذي وُفقت في حبكته ونجحت في وصل حلقاته خاصة الزمنية منها التي جاءت في مرحلتين الأولى وعمر البطلة حمدة عشر سنوات إلى أن أتمت الثامنة عشرة من عمرها والمرحلة الثانية تمتد لعشر سنوات بعد ذلك.

ومحور السرد شابة تتوقف عن استكمال دراستها الجامعية، وتعتزل الحياة الاجتماعية مضحية بالحب وبالاحتياج العاطفي المتأجج، لترهن سنوات عمرها القادمة للعناية بوالدها المقعد، وهنا تأكيد على قيم البر بالوالدين على الرغم مما ساقه السرد من أن دافع البطلة هو إعطاء الأب المتعجرف درسا في الحنان.

وهو هنا تأكيد على حق الإنسان في تكوين مشاعره لكن كيفية التعبير هنا جاءت في إطار ايجابي، على الرغم من ذكرياتها أي البطلة، المؤلمة لقسوة والدها معها وإمعانه كرجل في التمييز بينها وبين أخوتها، والتفضيل الأبدي للذكر على الأنثى. هناك رصد لقمع حرية الفتاة فقط لأنها أنثى بينما تتاح للشاب كل قنوات الحرية حتى تحل الفاجعة بسبب غياب القيود على الذكر في الوقت الذي تضيق فيه على الفتاة، وهي هنا تؤكد على مبدأي الإفراط والتفريط الذي ينتهجه غالبية الآباء عادة.

وأما الصراع المحوري فهو صراع البطلة حمدة وذلك على جبهتين جبهة البيت والمتمثلة بتسلط الأب والجبهة الداخلية النفسية لها وأفكارها وتوجهاتها. وأحاسيس الغربة التي تكابدها الفتاة يكشف ذلك حوارها الداخلي المعمق في ص221. كما يصف العمل كيفية التعامل وطبيعة العلاقة بين الخادم والمخدوم، والعلاقة بين الجيران.

وهناك رصد لعادات الزيارات العائلية وزيارات الجيران وتقاليد الضيافة وأنواع الطعام وكيفية إعداد بعض الأصناف، ومنها شي السمك والتنور حيث يتم طهي السمك، إلى جانب وصف لأشكال العلاقات الإنسانية والتعامل مع الجيرة، وطقوس العبادات وعادات الاستعداد للقيام بها والاحتفال بمناسبة الانتهاء من أدائها كما في فريضة الحج حيث ترفع الأعلام فوق أسقف البيوت فيعرف الناس أن في هذا البيت حجاج. ذلك إلى جانب وصف لأشكال البيوت سابقا، ووصف لبعض المهن المحلية الخاصة بالنساء كشغل التلي.

هذا وقد اعتمدت الكاتبة في سردها أسلوب (الفلاش باك) أو العودة إلى الماضي من خلال الحاضر، حيث يبدأ السرد بلقاء مرتقب بين بطلة العمل حمدة وراشد الذي كان قد عقد عليها وكاد يدخل بها قبل عشر سنوات لولا حادث السير المأساوي الذي أودى بحياة والدتها وأقعد والدها مشلولا عن الحركة جراء قيادة أخيها المدلل حمد.

حيث كان يفتقر خبرة القيادة، ثم تتوالى الأحداث من خلال تذكر البطلة مسيرة حياتها مذ كانت في العاشرة من عمرها، وهنا تكمن قمة البراعة حيث تبدأ السرد الذي استغرق ثلاث ساعات ظل راشد ينتظر وينظر إلى حمدة ونقرأ : وبينما هي كذلك سمعت صوت المؤذن قادما من بعيد يكبر وينادي للصلاة، دهشت فهذا ليس وقت صلاة، ثم ما هذا الأذان! ما هذه الدعوات! أصخت السمع جيدا كي تعي ما يقوله إمام المسجد وخطيبه.

وفجأة سمعت صوت امرأة تزجرها بغضب (ياحمدة ياحمدة تأخرت ياحمدة). إلى أن يحل الفراق بين حمدة وراشد والذي استمر عشر سنوات. وتنتهي أيضا بذات المشهد الذي ابتدأت به السرد صوت نداء.. حمدة حمدة تأخرت ياحمدة، فتحت عينيها رفعت رأسها فتكرر النداء من جديد...

التفتت فرأته هناك بعيدا عند شرفة المقهى همست حمدة.. راشد اقترب منها وهو يقول تعالي ياحمدة أذن العشاء. ص252 وبين هذين الزمنين تنطلق بنا الأحداث ويأخذنا العمل إلى تفاصيل تتعلق بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وقضايا مثل حوادث السير القاتلة وغلاء المهور والدراسة في الخارج والارتباط بالحركات الفكرية التي سادت في تلك الفترة كالقومية العربية والحركات الإسلامية والموقف العام من القضية الفلسطينية.

حبكة الحدث عندما تعلن الحماة أن زوجة ابنها أنجبت ولدا أسموه حمد، في حين أن المولود كان أنثى، وهو الأمر الذي استمر حتى جاء الذكر الحقيقي بعد عام فيضاف لاسم المولود الأول تاء للتأنيث، ويستحوذ الجديد على الاسم الأول حمد، ومن هنا تبدأ الانعطافة النفسية لحمدة.

حيث يتكرس لديها التمييز بينها كأنثى وبين أخيها لأنه ذكر خاصة حين تبدأ درسها الأول في تعلم القراءة في المدرسة بقراءة (مع حمد قلم) ودلالة ذلك في تكريس مبدأ التمييز حتى في منهاج التعليم متسائلة لماذا مع حمد فقط وليس مع حمدة قلم أيضا، فتكبر لديها عوامل التمرد وتعتلج في نفس البطلة لتشكل شخصيتها فيما بعد. وهنا سجلت الكاتبة نجاحا في رسم الشخصية المحورية، ومن خلال هذا الرسم رصدت عددا من المشكلات والقضايا الاجتماعية، والتي لايزال عدد منها يجثم على صدر الواقع المعاش، وان لم تكن المشكلات ذاتها فنتائجها ذات الأثر السيئ.

وقد راعت الكاتبة أن تبقي على الطابع المحلي في منتجها الأدبي، بدءا من اختيار أسماء الشخصيات.. (حمد سالم حمدة صالحة وإلخ). وتفاصيله، وحتى اعتمادها على اللهجة العامية في الحوار الذي شكل نصف مساحة العمل تقريبا، وهي الملاحظة التي استأثرت بجل تداخلات وتفاعل الحضور الكبير، بين معارض لتضمين النص الروائي مفردات عامية، وبين مؤيد لذلك، وقد تفوقت نسبة تأييد إدراج العامية في هذا العمل بالذات، بهدف الحفظ والتوثيق لمفردات محلية لم تعد تستخدم مما قد يؤدي إلى اندثارها، وضرورة تعريف الأجيال بها.