بدأ حياته الفنية منذ سنوات الطفولة الأولى... أخذت أعماله في البدايات شكلاً مباشراً، لا يجد المتلقي عناء في التخاطب معها.. كانت نصوصاً مفتوحة نوعاً ما، وإن اشتملت على مفردات تعبيرية لا حصر لها، حداثية كانت أحيانا وأحيانا أخرى عادية مألوفة. لكن القاسم المشترك دائماً هو الوطن المسلوب.
أخذت الأشكال لاحقا تغير شكلها وأسلوب التعاطي معها، إلى أن بدأت تأخذ منحى فلسفيا يعتمد الشكل كتوطئة تقول ما تريد حسياً، ومن ثم بدأت الأشكال تتغير والمضامين نفسها حاضرة لإيصال الرسالة نفسها وإن تغير الشكل، إذ أصبح كل شيء مباحا في سبيل أن يقول ما يريد. إنه الفنان التشكيلي الفلسطيني د. حسني أبوكريم، أستاذ الفنون الجميلة في جامعة العلوم التطبيقية الأردنية.. اتصلت به «البيان» على هامش معرضه الشخصي التاسع الذي أقامه في مركز رؤى للفنون في العاصمة الأردنية عمّان، بحضور الشاعر الكبير محمود درويش.. وكان الحوار التالي:
* كيف تتخارج اللوحة من عوالمك الخصوصية إلى العلن؟
ـ طقوس الرسم عندي لا تخلو من مؤثرات موضوعية إلى جانب الذاتية: فبعد أن كانت اللوحة عندي حياة معاشة، شيئا يوميا لا يحتاج إلى طقوس.. أصبح لا بد لي من التحضير مطولا للدخول إلى أجواء العمل.
طبعا كل ذلك كان بفعل المتغيرات التي طرأت على الجميع. أهم الأسباب تمثلت في الواقع الأكاديمي والذي حد بشكل واضح من النشاط الإبداعي، وأسباب كثيرة أخرى من الصعب حصرها. أما بالنسبة لطقس العمل الفردي، في معزل عما ذكر، فأنا أحيط جو العمل أحيانا بنوع من العزلة وقد أتأمل السطح الأبيض لساعات قبل البدء، وأحيانا أتركه ولا أبدأ إن خامرني شك ولو بسيط بجهوزية ولوجه.
وحين أبدأ لا أشعر بما يدور حولي تماما، ربما بسبب التقنيات الحساسة جدا والتي استعملها والتي تحتاج إلى سيطرة عالية.. كتقنية المائي الرطب، وربما لأسباب أخرى لا أعرفها. في مراحل التأمل التي تسبق العمل قد أجد نفسي في أماكن لم أنو الدخول إليها، لا أعرف لماذا أنا في المطبخ مثلا.. حالات كهذه تحدث دوما.
* أين تصنف أعمالك؟ .. وهل يمكن للتجارب الحداثية الحالية أن تكون مقدمة لبلورة مدرسة تشكيلية جديدة؟
ـ أنا لا أنتمي إلى مدرسة فنية بعينها أحاول صياغة تجربتي بفردية مطلقة، إذ تحررت وفي وقت مبكر حتى، من مجرد التفكير فيما ستكون علية التجربة.. وهذا يعطي الفنان حرية كاملة في التعامل مع مفرداتة ويريحه من عناء المقارنة. فإذا كنت صادقاً وجاداً ستكون حتماً مختلفاً ومجدداً، وهذا هو الفن برأيي.
أما بالنسبة للمواءمة بين الخاص والعام عندي فلا أرى فرقا وفصلا بين الحالتين، فالفنان الذي يؤخذ بجمال الوردة لا يستطيع المرور مرور الكرام أمام مأساة شعب أينما كان، أنت لا تستطيع إلا أن تعبر عما تحس، والحس برأيي ليس انتقائيا ولا يجزأ وهذا ما يجعل الخاص منصهرا في العام .
وحول إمكانية أن تكون التجارب الحداثية الحالية مقدمة لبلورة مدرسة تشكيلية جديدة.. لا أدري.. ربما، مع أنني أستبعد ذلك، فالمدارس التاريخية في هذا الإطار كان يعلن عنها أو في معظمها بعد مضي عقود عليها.. وذلك برصد القواسم المشتركة بين التجارب. ثم ان هناك محدودية الجغرافيا والتي ساعدت بشكل أو بآخر على نشوء هذه المدارس. هذا الطيف الواسع والذي نشهده حاليا يجعل من الصعب توقع جمعها في إطار أو أطر، حيث تتنوع مصادر المفردة البصرية المستخدمة من كثير من الفنانين في الساحات المختلفة، إضافة إلى دخول التكنولوجيا من أوسع الأبواب إلى الحياة التشكيلية، وبنسب مختلفة في كل مجال.
* في الجانب الأكاديمي من تجربتك التشكيلية، يبرز المحترف الخاص، الذي هو ترجمة لأسلوبك في التدريس. ما الجديد في ذلك؟
ـ فكرة المحترف قديمة جديدة، بدأت تقريبا منذ العام 1985. ليس هناك من برنامج أو منهجية غير قابلة للتعديل أو الإضافة، فبعدما بدأت تجربتي الأكاديمية تأخذ أبعادها.. بدا لي وكأن الحالة الأكاديمية تحتاج إلى بعض التعديل، تعديل يضمن للمتدرب الحصول على ما يكفي من الأدوات، كي يستمر في حالة بحثه الفردية عما يمكن أن يسمى إبداعا لاحقا.
ووجدت الحالة مفردات سيرورتها وأفرزت برنامجا يضمن كل ما تقدم. الفكرة برمتها تقضي بأن لا حاجة لأن يقضي المتدرب عمرا كاملا في البحث عن مفردات تضمن تطوره في هذا الإطار. والهدف من وراء كل ذلك كان إيجاد حركة تشكيلية تجمع بين الحس والحدس، والصناعة الفنية في آن واحد.
بل وأبعد من ذلك أن يسهم سياق البحث في المفردات إلى صياغة التجربة نفسها فأي خلل في هذا السياق يؤدي بنيويا إلى الإخلال في شروط تكوين التجربة بجوهرها، وعلى هذا الأساس قامت الحالة وأسس ما بات يعرف اليوم بـ «استوديو 11» كمحترف لممارسة الفن.
* هل يمكن توصيف ذلك بمحاولة إنتاج أسلوب التلمذة لدى فنان محترف؟
ـ في ما يتعلق بالتجربة الأكاديمية: أنا لم أعد إلى أسلوب التلمذة القديم، مع أنه لا اعتراض لي عليه إطلاقا، وإنما حاولت التأسيس لحالة أكاديمية جادة، فالفعل الفني برأيي فعل جاد ويحتاج إلى جهد استثنائي لإنتاج المبدع، فالمبدع ليس حسا وحدسا فقط وإنما صناعة أيضا، فأي تجربة لا تمتلك شروط بنائها وتطورها..
محكوم عليها بالفشل مسبقا، وكل التجارب الناجحة في تاريخ الفن بحثت بشكل جاد عن وجهتها عن طريق التلمذة والتعلم.. ولم تغفل هذا الجانب مطلقا. ولم تستسلم للحس فقط في طريق الخلاص، من دون أن تؤسس للجانب العلمي المحض والمهاري أيضا في سياق بحثها عن ذاتها المبدعة، ولم تترك لعبثية الصدفة أن تحكم مسارها، بل وظفت الصدفة في سياقاتها المدروسة. وهذا ما أعطاها زخما وغنى وهوية. العمل الجاد والمدروس في هذا الإطار هو ما يرشد الفنان إلى اكتشاف ذاته.
* وهل من نتائج ملموسة؟
ـ في سياق التجربة الأكاديمية، أحرزت نجاحات كبيرة وحصدت جوائز على المستوى العربي والعالمي، وأخرجت للساحة التشكيلية والعربية أسماء بات يشار إليها، بعضها يعمل ويعرض في المنطقة العربية وبعضها على الساحة الدولية بالإضافة إلى المشاركات المستمرة، وبعضها الآخر أخذ الوجهة الأكاديمية وبات يجمع ما بين العمل الأكاديمي والفني في آن واحد. إن ما يميز هذه الحالة إنها تعطي المتدرب مطلق الحرية في صياغة خطه الفني حال إنهائه للبرنامج الأكاديمي، مهما كانت التباينات بين التجارب المختلفة للمتدربين، إضافة إلى حالة التواصل الدائمة والتفاعل الحر بينها.
لم يتم الاتصال بأي منظمة أو جهة دولية بهذا الخصوص، مع أن الحالة مفتوحة على كل الاتجاهات، وكانت بعض الفضائيات قد أبدت اهتماما وغطت الموضوع كالفضائية الروسية وقناة الرافدين وكثير من المجلات والصحف. ذات مرة لفتت تجربة محترفنا أكاديمية تركية تعمل لدى الأمم المتحدة في البرامج الثقافية، وطرحت عرض هذه التجربة للتبني، ولا يزال الموضوع مفتوحا على الدراسة والنقاش الداخلي.
* وماذا عن إشكالية النقد والنقاد والعلاقة مع الجمهور ووسائل الإعلام؟
ـ علاقة الفن بالجمهور: هي علاقة شائكة بالنسبة لي، هناك جمهور مثقف يتفاعل مع العمل الفني بحرية، وهناك من يحتاج إلى إرضاء. وهي برأيي الشخصي ليست مهمة الفنان. وهذا المحور مرتبط تماما بالحالة النقدية التي تعيشها الساحة التشكيلية العربية، فغياب النقد بشكل عام خلط الأوراق ولم تعد هناك بوصلة واضحة للمتلقي.. فهناك تجارب هزيلة ليست محترفة يتم الترويج لها، بينما تهمش في بعض الأحيان تجارب ناضجة. ودائما الأسباب تتمثل في أن معايير النقد ليست مهنية بقدر ما هي شخصية فئوية ومصالحية بشكل عام.
وهناك ما هو متعلق بغياب الناقد المتخصص، صاحب التجربة، إذ نجد أن غالبية من يمارس النقد في منطقتنا من غير المتخصصين والذين غالبيتهم ـ بحدود معرفتي ـ مارسوا النقد والفن في وقت متأخر، لذا نجد أن في بعض المقالات يقال نفس الكلام لنفس الناقد عن تجربتين مختلفتين بكل المعايير، ذلك يجعل المتلقي نهبا لأفكار غير منظمة تأخذه يمينا وشمالا، لا يستطيع بعدها التفريق بين الأصيل والدخيل.
أما بالنسبة لوسائل الإعلام فهي أيضا خاضعة لارتباطاتها، نرجو أن تتحرر وتتحلى بالموضوعية في التعاطي مع الحالة الثقافية، إذ أصبحت كما هو شائع الآن لعبة العلاقات العامة هي المعيار الأهم في انتشار هذا الفنان أو ذاك وليس ما يمثله. هذا برأيي يشكل خطورة على مسار تطور الحالة الثقافية برمتها في منطقتنا وليس التشكيل وحده، لذا أرى أن من واجب وسائل الإعلام أن تتسلح بالمتخصصين في مختلف الحقول الإبداعية ليكونوا هم أصحاب الرأي فيما ينشر أو لا ينشر وبمعايير مهنية صرفة.
حوار ـ محمود أبوحامد

