تواصلت صباح أمس جلسات الندوة الفكرية المصاحبة لأيام الشارقة المسرحية في دورتها السابعة عشرة، وذلك لليوم الثاني على التوالي حيث أقيمت في قاعة قصر الثقافة جلستان، أدار الأولى أ.د. محمد الخزاعي من البحرين، وتناولت ورقتين (الإخراج من النص إلى العرض المسرحي).

كانت الورقة الأولى للمخرج المسرحي العراقي د. جواد الأسدي الذي اعتذر عن عدم الحضور، وقد وزعت المشاركة الفكرية الخاصة به.. (فتنة الإخراج من النص إلى العرض)، مؤكدا فيها انه لم يقع يوما في فخ ثبوتية النصوص، ولم يكرس الولاء لتقديسها على اختلاف هويات تلك النصوص، وانه تعامل معها بكونها أرضا حرة خصبة تطلق شخصيات متفجرة تكسر الحدود ومسطرة الفهم.

ذلك لأن النبش في التكوين الروحي الجمالي للشخصيات حسب الأسدي يجعلها عرضة للتأمل والتأويل وإعادة البناء؛ لأن الإخراج الحر الجامح يؤسس مخيلة مبتكرة للمصادمة بهدف تكوين بيئة جمالية تغرف من السحر وترميه على الكتابة من زاوية إحالتها إلى الهدم البصري كما يفعل المخرجون الطليعيون الذين يلوكون النصوص والشخصيات ويعلكونها لتصير عجينتهم الحرة الرحبة.

وعرج على سذاجة الممثلين وبدائيتهم وإفراغ زمنهم وطاقتهم ومواهبهم في المشروع التلفزيوني - السوبر ماركت السلعي - الذي يتلف في أرواحهم الحلم والرغبة بالوقوف على خشبة المسرح. مؤكدا أن بدون ممثل متفرد لا مسرح متفرد، وإن النصوص الغنية والإخراج الغني سيصطدمان دائما بالممثل النجم الذي يتحول إلى تحفة يابسة عقيمة أو إلى شجرة بلا ثمر مسرحي شهي.

إن النصوص التي تحمل في كياناتها شعرية عالية الخصوبة وجمالية بصرية غنية التركيب ستحتاج إلى ممثلين مثل الخيول الأصيلة المدربة يؤرخون ويبتكرون إشارات جسدية والتماعات فنتازية تتشابك مع إخراج حي وسينوغرافيا شعرية، ولكي ينتقل النص من الموت على الورق إلى الحياة على الخشبة يحتاج إلى حرارة النهوض باللذة والمتعة، إلى مصاف القصيدة.

ثم تحدث عن تجربته مع عالم جيخوف في عنبر رقم 6 الذي يتصدى لتعرية الحياة الروسية وتشريح المجتمع، تعرية فذة يؤجج فيها النزاع بين القبح والجمال من جهة وبين الآني والأبدي حيث ان النص على الورق كان شهيا لاذعا، وعلى الخشبة حرا احتفاليا.

وان جوهر الحديث يتوجه نحو النموذج المتفرد في كيفية تشريح النص ثم صيرورة تحوله إلى الخشبة. من النص إلى العرض، من الإخراج إلى التمثيل، النص والإخراج والتمثيل سوية تحت سلطة سينوغرافية بصرية تعيد إحياء الارتباط بخشبة تغرف من النحت والفن التشكيلي ومن الضوء في لغة نحتية تكتب النص والجسد كتابة بلذة شعرية حرة. هناك نماذج إخراجية تكرس المبنى البصري والجمالي لإعادة كتابة النصوص إخراجيا من النص مرورا بالممثل حتى تخوم العرض المسرحي.

ومن رؤيته أن المسرح هو الحقيقة الثابتة قدم المخرج المسرحي المصري الفنان الدكتور أحمد عبد الحليم مشاركته مؤكدا ان المسرح يحتاج الى ثورة تؤدي الى إعادة الروح اليه لمواجهة الحياة بكل ما هو جديد ومفيد للمجتمع، من خلال أعمال إبداعية تحمل رسائل إلى المتلقي تتضمن رؤى وأفكارا تشحذ من همم المتفرجين نحو التغيير إلى الأحسن والأرقى

تلك هي مهمة المسرح وأهمية وحتمية وجوده واستمراره كنافذة نرى من خلالها كل ما هو مثير ومنير لواقع مظلم نحياه في خضم واقع حياتنا المليئة بالإشكاليات وتساعد بشكل أو بآخر على التفكير والبحث عن الخلاص، ومناديا بضرورة تكاتف الجهود نحو بناء المسرح المستقبلي، والسير نحو البناء الجديد لمسرح متطور، وذلك بضرورة الوقوف وراء من يؤمن بالمسرح ويشجع المسرحيين على بذل مزيد من العطاء ألا وهو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة .

ويرى د. عبد الحليم ان المخرج الواعي هو من يقرأ المسرحية قراءة خاصة وجيدة من اجل تواصلها مع الجماهير والقراءة الثانية قد تختلف عن القراءة الأولى بما تساعد على وجود عرض مغاير للعرض السابق. فالنصوص المسرحية لها قراءات مختلفة ومتغيرة بدليل ما نراه من خلال مسرحيات شكسبير المختلفة في كثير من البلدان.

ثم أشار إلى مسرحية الملك لير التي تعرض منذ العام 2002 بنجاح جماهيري وفني كبيرين. مؤكدا أن عوامل النجاح تكمن في حسن اختيار النص الذي يحمل مضمونا يهم كل شرائح وأطياف البشر، والارتكاز على عناصر الفرجة التي تعطي العمل وهجا وحيوية وهي الموسيقى الرقصات الاستعراضات الماكياج الملابس المناظر والممثلون المناسبون، فمن هذين المنطلقين انطلق بالعمل إلى مساحات من الفرجة تساعد الجماهير على الذهاب إلى المسرح.

وكانت الجلسة الثانية بإدارة أ.د. نبيل فيلكاوي من الكويت خصصت لمناقشة الوثيقة الختامية، ولوضع توصيات ندوات هذا الملتقى، وقد تم الاتفاق على إعداد رد على رسالة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي بمناسبة يوم المسرح العالمي، باعتبار أن ما يدور في الشارقة هو مكسب للمسرحيين، وان ما طرح في رسالة سموه يعد مدخلا مهما خاصة في اقتراح سموه ب(التيار الثالث) حسب د. هناء عبد الفتاح من مصر،

كما تم الاتفاق على ضرورة قيام المشاركين بتعميم ونشر وإشاعة رسالة سموه عبر وسائل الإعلام العربية المقروءة والمسموعة والمرئية والتعبير عنها من قبل كل في بلده، إلى جانب التأكيد على دور المنظمات الدولية والتعاطي معها خاصة منظمة اليونسكو ومحاولة الاقتراب منها،

خاصة أن رسالة سموه ذات نظرة إنسانية كونية شاملة، وأنها تحمل فكرة إنشاء فرقة مسرح أممية لأنها موجهة لمسرحيي العالم، هذا إلى جانب ضرورة أن يكون المسرحيون عمليين، بالعمل على كيفية حضور المسرح في المدينة واستعراض أعماله. هذا وقد تصاغ التوصيات وتعلن يوم السبت المقبل.

متابعة: فاطمة محمد الهديدي