المسرح خلق وبناء وإسقاط..

والأمة التي لا تعي تاريخها لا يمكن أن تتلمس المستقبل.

إن التاريخ مصباح الأفق الأوسع للذي يحاول أن يعرف جدلية التاريخ والمستقبل وفلسفة العلاقة بين الواقع اليومي وبين ما حدث في سالف العصر.

صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لم يعتمد التاريخ في مسرحياته من فراغ، بل لأنه يعي مهمة المسرح الاجتماعية، ويدرك أهمية التاريخ في عملية الوعي البشري، وأدرك أن الجمع ما بين المسرح والتاريخ يعني النذير الذي ينبغي أن يطلق كل يوم، على أنه قادر على زرع الأمل وسط الظلام الذي يحيط بهذا الواقع.

معادلة صعبة، وكاتبنا لا يعجبه إلا الصعاب ليركبها، ذلك لأن الواقع أصعب وأمر فلا بد من قلم يوازي صعوبة الواقع ومرارته.

بابل .. عاصمة نبوخذ نصر.

بغداد الرشيد .. كلاهما هدف كل غاز في التاريخ..

يقال إن 44 احتلالاً عسكرياً للعراق.. انتهى بالفشل وانسحاب الغزاة.. هولاكو.. جنكيزخان.. الإسكندر.. كسرى.. الصفويون. الانكشارية الأتراك.. جنرال مود.. وبليمر، الذي ظن أن ملابس رعاة البقر وجزمة التنس ستحميه من السقوط، غير أنه لم يستطع لا أن يثبت جزمته ولا يحكم زناد مسدسه، مثله مثل الإسكندر الذي كانت نهايته في بابل، بينما ظل حلمه أن يخضع سواحل «آكلوا السمك» كما يسميهم «صاحب الإسكندر» لسيطرته وسلطانه ونفوذه وأن يجعلهم يركعون لعرشه، غير أن بابل كانت مقبرته.

التاريخ بكل ما فيه من قسوة وتناقضات وأحداث مكثفة في مسرحية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الموسومة «الإسكندر الكبير» بل وبكل ما فيه من إنذار وإسقاط، ذلك لأن التاريخ وحده مهمة غير مكتملة الشروط على خشبة المسرح إنما ينبغي أن يوظف وينعكس على الواقع، وهذا ما فعله صاحب السمو في وضع المشاهد وسط الحدث.

ويلفه بالأحداث من كل صوب وجانب، وهو يحاول أن يجعل المتلقي أكثر وعياً لتقبل الصرخة والإنذار، مثلما يزرع الأمل في جدران هذه الأمة التي حمتها من كل الطغاة والغزاة والطامعين، لكن ليس مجاناً، إنما بثمن دماء أبناء الأمة وبتضحياتهم وبوقوفهم وعدم إذلالهم.

قال العراف للإسكندر لا تدخل بابل.. إن فيها مصيرك.. غير أن الطغاة لا آذان لهم ولا يبصرون.. وهم متكبرون متعجرفون.. لا يعرفون سوى الموت والسيطرة وقد قرر الإسكندر أن يغزوا بلاد العرب عبر نهر الفرات إلى الخليج لأنهم «لم يرسلوا سفيراً لهم» ليركع أمام الإسكندر.

و«لم يعلنوا التبعية»، ولم يخضعوا للإسكندر، كما خضعت الشعوب، و«لم يقدموا الولاء والطاعة، إذن لا بد من احتلال الجزيرة العربية». ونسى الإسكندر أن للبيت ربا يحميه.. وشعبا لا يركع لغاز.. وإذا كانت بابل مقبرة للإسكندر، فلن يسلم غيره من نهاية محتمة على أرض العرب ولو بعد حين.

إن قلم صاحب السمو الذي يرسم لنا لوحات مسرحية مرتشة بكل الألوان، إنما يحاول أن يستنبط التاريخ ويستنطقه ليتسنى لنا كمتلقين ومشاهدين أن نعي حقائقنا الحياتية، وأن ننور طريقنا مثلما نسلك ونصحح مساراتنا الحياتية بما يمليه علينا العقل والكرامة والإنسانية وفق منظور مستقبلي لا يستند على الفراغ، إنما على فكر صلد ومرن في آن واحد.

إذا مات الإسكندر الكبير في بابل.

فهل سيموت الإسكندر الجديد على أبواب بابل الجديدة ..؟

abdulelah_q@hotmail.com