صناعة الوهم صناعة قديمة جديدة، تأخذ أشكالها المتنوعة والمغايرة تبعاً للزمان والمكان والخامات المستخدمة وأدوات الإنتاج.. ولها مؤسسوها ومجددوها ومنظروها ومهرتها وشيوخ طريقتها أيضا.
شيوخ طريقة صناعة الوهم في المجال الثقافي والإعلامي متشابهون في تعاملهم مع الفرد والجماعة وأساليب الشغل، لكنهم لا يخرجون عن مجالهم، فخاماتهم منهم وفيهم، ولديهم اكتفاء ذاتي في كل شيء، فلغة الكذب جاهزة وعلى أعلى المستويات، والمكذوب عليه على أتم الاستعداد لتقبل ذلك، بل ويستمتع بالوهم، وكثيراً ما يدفع مقابل ذلك، وحبال الغسيل جاهزة للنشر..
والمفارقة الفاقعة أن هؤلاء المدلسين موهوبون، ويمتلكون أدوات متطورة تواكب العصر، ويتمتعون بلغة جزلة وشاعرية أحياناً، وبحرفية صحافية عالية، مما يؤهلهم لصناعة وهم يشبه الحقيقة، فهل ثمة فرق بين وهم ووهم ؟
ربما شكل الوهم يختلف في صناعته بين إعلامي وآخر، فقد ينفخ أحدهم في شاعر ما، وينفخ وينفخ حتى يحوله إلى طبل أجوف.. وقد يلبّس آخر عباءة لروائي أكبر من جسده النحيل بكثير فيتعثر بها في خطواته الأولى، وربما يطلق آخر على كاتب ما ألقاباً تصل به لمصاف المقدسين، فتختلط عليه الأمور ويتلعثم بكفره..
والسؤال الصانع هنا: هل صناعة الوهم تلقى خاماتها الأولية بمعرفة الطرفين، وكيف بهذه المعرفة لا يتحول الوهم إلى حقيقة؟
كيف يصير روائي مبتدئ أعظم من ماركيز، وتشكيلي مهووس أفظع من بيكاسو، وشاعر لص أشعر من المتنبي.. لماذا تلقى هذه التدليسات والتلحيسات رواجاً في الصحف؟ هل المشكلة في الإعلامي المتكسب على بلاط صاحبة الجلالة، أم مشكلة القائمين على المؤسسات الإعلامية، أم مشكلة المجتمع ككل ؟
كل هذا (كوم) وأن تتحول صناعة الوهم من النفخ والتطبيل للأفراد، إلى صناعة الأحداث، وتحديد وقتها، والمشاركين بها، واستطلاع الآراء حولها، وبناء تقييمات على هذه الآراء، ونشرها في الصحف وملاحقها (كوم آخر).. وكل هذا مجرد فقاعة على ارض الواقع..
إن الأمثلة على ذلك كثيرة، ولن نبتعد كثيراً في الزمن ولن نخوض عميقاً في التاريخ، فمنذ أيام تم طرح فكرة إطلاق قوافل ثقافية تشمل عدداً من الشعراء والكتاب والإعلاميين، بالإضافة إلى الفنانين في مجالات التصوير والتشكيل والموسيقا، وتزور تلك القوافل مناطق مختلفة تتوفر فيها الشروط الوظيفية والمشهدية، بحيث تصبح حاملاً إبداعياً لتلك النشاطات، وكان اختيار موقع النصب التذكاري للشارقة كتجربة أولى.
وتحدث بعض الإعلاميين عن هذه التجربة، وراح آخرون يجرون الاستطلاعات مع الفنانين والشعراء المشاركين، إذ من أجندة برنامج هذا النشاط النوعي الذي يقام للمرة الأولى في الإمارات، مشاركة خمسة فنانين تشكيليين يقومون برسم النصب وما حوله من طبيعة، وسوف تجمع النصوص الشعرية واللوحات التشكيلية في هذه الأمسية أو المهرجانية في كتاب يصدره النادي الثقافي العربي الذي ينظم هذا النشاط بالتعاون مع دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.
وعلى أرض الواقع كل من تحدث عن هذه الفكرة لم يذهب إلى النصب التذكاري، ولم يشارك أي من الشعراء الذين تم استطلاع آرائهم، ولم يشارك أي من التشكيليين على الإطلاق، ولم تتوفر في المنطقة أي شروط مناسبة من تلك الشروط التي تم الحديث عنها...؟ مع احترامنا لمن حضر من الشعراء والإعلاميين.