يٌفتتح مساء اليوم في المجمع الثقافي في أبوظبي؛ معرض الفنان التشكيلي الفرنسي «بيرنارد أليغاند» بحضور سبعة سفراء يمثلون المجموعة الفرانكفونية من مختلف سفارات العالم، ويقدم «أليغاند» في معرضه الذي يعتبر الأول له في الإمارات مجموعة من أعماله الفنية التي تدور في فلك المدرسة التجريدية، كما يعرض نتاج لوحات عشرات الأطفال الذين تمرنوا على يديه طيلة أسبوع من وجوده في الإمارات بدعوة من «فيليب مولان» المنسق الفرنسي بين وزارة التربية الإماراتية والسفارة والهيئات الفرنسية لدى الدولة.
حول طبيعة أعماله يقول التشكيلي «أليغاند»: تواصلت منذ البداية في طريق المدرسة التجريدية، كما اشتغلت في مجموعة فنون أخرى كالنحت والسيراميك وفن الأكريليك، ولم أحصر تجربتي بخط التجريد بل انطلقتُ في فضاءات أخرى لأني أعتقد أن للفن وجوهاً متعددة من التعبير ولا تنطبق عليه معايير التخصص، وحين أزور أي مكان أو بلد فإني استخدم المواد الخام الموجودة في ذلك المكان لأني أؤمن بأن طبيعة المكان وأرضه ومكوناته تشكل لوحة فنية بحد ذاتها، فقد استخدمتُ المواد البركانية المنبعثة من فوهات جبال «ايسلندا» في كل مرة أرحل فيها إلى ذلك البلد.
وخلطت تلك المواد الخام بالألوان ومواد أخرى، فظهرت لوحات تعكس روح المكان، وهذا هو الحال حين زرتُ مصر وأقمتُ فيها طويلاً وأنا أتمعن أرض الحضارة ومهد الإنسانية الأول، وكانت مجموعة القاهرة التي أنجزتها من أحب المجموعات إلى قلبي، فيها ما هو فرعوني وآخر فاطمي وآخر إغريقي.
إن كان لكل فنان رسالته التي يطمح تقديمها للعالم؛ فإن رسالة «أليغاند» تتجاوز خصوصيات وطبيعة الفئات البشرية المتباينة، وتعبر الحواجز الجغرافية والاثنية التي صنعها الناس بينهم مدى الدهور، حيث تجد في لوحاته وألوانه ذلك التوق والشغف الظاهر لمعرفة الآخر والحب والتعايش مع ثقافات العالم كافة، وربما يذكرنا «أليغاند» برحالة الزمن الأول «ماركو بولو» و«ابن بطوطة» وغيرهم، يقول بهذا الصدد:
إن أحاسيسي ومشاعري تتجاوز كوني أوروبياً أو فرنسياً له خصوصيته وثقافته، وأتمنى أن يطول بي العمر لأتجول في جميع بقاع الأرض للتعرف بثقافة الناس والشعوب وثقافة الأرض وتكوينات الأمكنة، لا أقول بأني أبحث عن الأمور المعنوية منها فقط كالتراث والشعر والموسيقى والأدب والفنون؛ بل الأشياء المادية كالأرض برمالها وصخورها وموادها الطبيعية التي أرى أنها تشكل صورة المكان دون زيف، فحين أحط رحالي في أي بلد اتجه بعد التجوال والتعرف على الناس؛ إلى الأرض الخام والطبيعة العذراء المتشكلة فيها، فانهل منها حتى أرتوي.
رغم ما سجله التاريخ من عشق وهوس الرسامين الأوروبيين المستشرقين بألوان وأرض الشرق الدافئة، وتأثرهم بتلك الألوان التي تنبعث منها الحياة، أمثال: باسيني ألبرتو، دولاكروا يوجين، دينيه إيتيان، ماجوريل جاك، والرائع هنري ماتيس وعشرات غيرهم، إلا أن عشق «أليغاند» وحبه للشرق يشابه ولا يشابه في آن خطى أولئك الفنانين، ويشرح ذلك بقوله: يمكن القول إن الطريق جمعني بخطى أولئك الفنانين.
ويمكن القول إن آثار خطواتهم قد مشت عليها أقدامي يوماً وهذا هو حد التشابه الوحيد؛ إلا أنني أختلف عنهم من حيث رسالتي الفنية والإنسانية في آن، وهذا الاختلاف لا يقترب من صورة الفضل، بل انه اختلاف فلسفي من حيث طبيعة علاقتي بالأرض والناس الذين أراهم وتربطني بهم علاقات جميلة في معظم البلدان التي زرتها، وحين أتذكر بلداً كمصر أستطيع القول إنني لو خيرت بين أحد البلدان لاخترتها لأنها روح الحضارة.
يرى «أليغاند» أن الفنانين التشكيليين العرب مقصرون بحق أنفسهم وبحق فنهم، وأنه اطلع على تجارب الكثير منهم، وأن تلك التجارب كانت ناضجة إلى حد كبير ومميزة بأسلوب يحمل طبيعة الحضارة والروح الشرقية، ولكنهم عاجزون أو متكاسلون في تعريف العالم بفنهم وبنتاجهم الفني، أما هاجس «أليغاند» الذي يأمل تحقيقه في المجال الفني، فهو حلم يقرب من «لوحة عالمية» -ليس بمعنى الشهرة أو القيمة- بل بمعنى إنجاز لوحة تجمع عناصر وتكوينات الجمال من كافة البلدان والمدن التي زارها، وحين يستطيع تحقيق ذلك الحلم فإنه سيبحث عن حلم آخر، لأن الفنان -والإنسان بشكل عام- إن فارقه أو تخلى عن حلمه فإنه سيكون قد أعلن موته ونهايته.
عن زيارته للإمارات وطبيعة تجربته في تدريب الأطفال على الرسم؛ قال «أليغاند»: هذه زيارتي الأولى للإمارات، وهو بلد جميل لم تتسنَ لي الفرصة للتجول فيه، حيث أمضيت أسبوعاً كاملاً في تعليم الأطفال استخدام الألوان وفرشاة الرسم وبعض مبادئ الفن، ولكني سأعود حتماً إلى الإمارات للتعرف على طبيعة البلد الثرية باللون ونكهات مختلفة للرمال والشواطئ والجبال، وقد أسعدني مستوى رسوم الأطفال الذين أنجزوا لوحات بمستوى جيد خلال فترة قياسية تناولت مواضيع «كلمات متعددة» كالحب والسلام والجمال والطبيعة التي اقترحتها الهيئات الثقافية الفرانكفونية ككلمات للوحات الأطفال حول العالم.
في داخل كل إنسان «طفل» يحب الحياة ويريد أن يتحرر من قيود وضعت وعوالم تزداد تعقيداً، وبحسب رأي «أليغاند» فإن الفنان الحقيقي هو الذي يبقى طفلاً طيلة حياته -لا بالمعنى الحرفي للكلمة- فهو يرى أن أول إنجاز وأكثر شيء في الدنيا يعشقه الأطفال هو الرسم، فلا تكاد تترك أحدهم مهما بلغ عمره مع مجموعة ألوان أو أقلام؛ إلا وتراه ينكب عليها لإنجاز هواية الإنسان الأول «الرسم» ذلك العالم الذي فيه جاذبية وسحر لا يمكن أن يقاوم، ويضيف «أليغاند»:
إن الطفل الذي بداخلي يظهر كل يوم وكل ساعة، وما تراه من لوحات وألوان ومنحوتات هي نتاج ذلك الطفل الذي يسمى «أليغاند» وأنا أرسم بنفس الشغف الذي كان لدي حين كنت في الرابعة أو الخامسة من عمري، ومن أطرف ما مر بي في تعليم الأطفال الرسم؛ هي تلك الطفلة التي كنت أعلمها الرسم مع زملائها في إحدى المدن.
حيث قامت فطرياً بخلط مجموعة ألوان مع رمال ومواد خام أخرى فنشأ مزيج لطخ يديها وملابسها، وحين رأت ذلك الخليط؛ ابتهجت وغمرتها سعادة عارمة أكثر من إنجازها للوحة، فركزت على حركاته ومداعبتها لتلك الألوان وذلك المزيج وآمنت بأن العلاقة بين الرسم والإنسان علاقة أزلية ترتبط بالعقل والروح الباطنة للإنسان، يمكنه أن ينميها أو تمحى من نفسه مع الوقت.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري
