في كل عام تتطلع القلوب الى الشارقة وهي تتباهى بمشاعل الحب لاستقبال عرس المسرح السنوي في الإمارات بعد أن أصبح هذا الحدث المبهر نقطة ضوء عملاقة بحجم القمر المحاط بنجوم كثيرة، قمر يجذبنا بسحره الفلسفي وبريقه النوراني العالي كي نسلط الفكر على تاريخنا الذهبي وواقعنا المركب في ألف صورة، هو قمر التأمل الذي نعيد فيه قراءة وجوهنا وهي تنعكس في مرايا المسرح الحقيقي، المسرح الذي يذهب في الفعل الإبداعي إلى أقصاه بلا مجاملة أو تكرار أو اقتباسات مريضة. المسرح الذي يحفز الذهن على ابتكار لغة تترفع عن التزييف الذي نراه في الواقع وتختار أن تبوح بما يعتمل حقيقة تحت الرماد بعد أن تغيرت مسميات الأشياء وذاب الفرق بين الجوهر والحصى.

على مدى أكثر من خمسين سنة راكمت الحركة المسرحية في الإمارات تجربة فريدة واستثنائية في فن التعاطي مع المسرح، وفي الوقت الذي كانت فيه العواصم العربية في الثمانينات والتسعينات تنحدر في تجاربها المسرحية إلى مستوى التفاهة والهزل والكوميديا الرثة، كانت الإمارات بالمقابل محصنة من التأثر بهذا التيار.

وكان الرهان يكبر كل يوم على تكوين قاعدة أساسية للمسرح الجاد والحقيقي وعدم انزلاق مسارح الإمارات في نفق المسرح التجاري مهما كلف الأمر. وكان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة أول من تصدى لهذا التيار بتبنيه المبكر لفكرة أيام الشارقة المسرحية التي فتحت الباب أمام المسرحيين لتقديم إبداعات حقيقية مشرقة وعدم رضوخهم لرغبة الجمهور العام الذي أصبح متعطشاً لمسارح الهزل والسير على منوال ما كان يحدث في معظم المسارح الشعبية في الخليج ومصر.

ولأكثر من عشرين سنة ظل سلطان يغذي المسرح الإماراتي بالفكر والثقافة والمال والعمل المخلص، وأضاف إلى كل ذلك إسهاماته الكبيرة في التأليف المسرحي واحتضان جمعية المسرحيين وقيام دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة بطرح المشروع العملاق في ترجمة أمهات الكتب في المسرح وطباعة المؤلفات العربية والنصوص المحلية والعالمية وتوزيعها مجانا في كل مكان وغيرها الكثير.

لم يستطع المسرح في الإمارات أن يكسب قاعدة الجمهور العريضة، وهو حال المسرح الجاد في كل مكان، لكن بالمقابل وبعد تراكم التجربة التي أسس لها سلطان القاسمي وراهن عليها، أصبح مسرح الإمارات اليوم يكسب احترام العالم في كل المهرجانات العربية والدولية، ومنذ الثمانينات صار الفنان الإماراتي سفيراً مبدعاً في تلك المحافل وليس مشاركاً على الهامش، والعشرات من المسرحيات المحلية التي كانت تسافر إلى الخارج مدعومة من الشارقة ومن وزارة الإعلام كانت تعود محملة بالثناء والجوائز والتقدير والإعجاب إلى أن توجت هذه المسيرة باختيار الشيخ سلطان لإلقاء كلمة يوم المسرح العالمي هذا العام.

وما يمثله هذا الاختيار من اعتراف العالم بالتجربة المسرحية الإماراتية التي تعد نسبياً قصيرة في زمنها، لكنها كبيرة بما أنجزته في صميم التجربة الإبداعية في فن المسرح اليوم. إشكالات كثيرة تعرض لها مسرح الإمارات، وهو يرتقي لمرتبة الصدارة الفنية على مستوى التمثيل والإخراج وأسلوب المعالجة والطرح، أبرزها نفور الجمهور العام من حضور العروض، لكن هذا الإشكال وعلى مدى الزمن يمكن معالجته، ولا يمكن أن يشكل عائقاً في سبيل تقديم فن مسرحي بالمعنى الحقيقي.

ونحن هنا لا نتكلم عن السنوات القليلة المقبلة بقدر ما نقرأ في ثمار القاعدة المتينة التي تكونت لدينا اليوم وأهمية استثمار طاقاتها كي نرتقي بمسارحنا إلى مستويات عالمية وأن نكون منافسين حقيقيين للعروض الأخرى الكبيرة التي نستضيفها في الإمارات. الأساس المتين الذي ارتكز إليه سلطان القاسمي في دعمه للمسرح هو ضرورة أن يكون الخطاب الإبداعي في هذا الفن حقيقياً وعالياً وجريئاً.

ومؤلفات سموه ومسرحياته كانت المحرض الأول للمبدعين في الإمارات لتخطي رهبة الرقيب والذهاب إلى بناء لغة مسرحية تكشف الواقع بكل صدق، ومن تابع أو قرأ مسرحيات ومؤلفات الشيخ سلطان يلمس الجرأة العالية في تفكيك ونقد الحال العربي اليوم والإسقاطات الذكية التي يستوحيها من تجارب التاريخ ليفسر بها أزمة الحاضر، ولا يريد سموه من هذا النقد التهويل بما يصيبنا بقدر ما هو يزرع في أرضنا العربية بذور الصداقة والتفاهم وحب الجمال، وكما يقول سلطان في كلمته التاريخية بمناسبة يوم المسرح العالمي فإن (الجمال المكتمل لا يتوافر في فن من الفنون بقدر ما هو عليه في المسرح)، وبالجمال وحده ننزع فتيل الشر والبؤس والشقاء من العالم.

أيام قليلة وتنطلق دورة جديدة من أيام الشارقة المسرحية، وهذه المرة أصبحت مثل سفينة عملاقة تخرج من حدود البحر إلى أفق المحيط الشاسع حيث لا موجة تردها ولا رياح تمزق أشرعتها العالية.

akhozam@yahoo.com