لم يكن العراقيون فيما سبق من الأيام عبيداً كي يطالبوا اليوم بحريتهم.. إنهم أكثر الناس تمرداً على العبودية، مثلما كانوا أكثر الشعوب امتثالاً لأصنام الحق والواجب الوطني والاجتماعي.
أكثر المعذبين استعذاباً لذواتهم، وأكثر اليائسين استقبالاً للتغيير ثم تغييره. إنهم لا يطالبون بالحرية أكثر من مطالبتهم بالتحرر من أصنام الخوف القابعة في أعماقهم. إنهم لا يطالبون بالحرية أكثر من مطالبتهم بالهرب من رعونتها التي تقيم على أنقاض كوابيسهم تماثيل تشع بالشرور والانتقام لماض ولى واندثر.
هناك في أعماق المستنقع العراقي تنام مسوخ متفسخة ستتحول إلى أرباب زائفة تجوب طرقات المدن المخربة في وضح النهار. إن جرعة كبيرة من رحيق الحرية تزفها الأصنام الممسوخة تصرعهم، وإن كأسا فارغة تلوّح لهم بها في سرهم تجعلهم سكارى بين أخيلة الحنين الأوديبي الغافية في ذاكراتهم. هربوا إلى أبعد الأماكن وهاجروا إلى مدن الجليد. ثم عادوا للانصهار في تنور الوطن الأمومي الذي تسري دماؤه الحارة في عروقهم.
لا تصبح الحرية ممكنة حتى يشب أبناء الخوف ويجيبوا عن لغز الحاجز الأخير من حواجز الأعماق الكونكريتية التي نصبتها أصنام الحرية في طريقهم. نصبوا صفوفاً من التماثيل البرونزية على شواطئ طفولتهم وشبابهم، واحتفلوا تحت ظلالها بانتصارهم في ميادين القتال، ثم أطاحوا بها وأرسلوها جميعاً إلى مصهر التماثيل ليعاد صبها في قوالب جديدة، ولكي يستمروا في احتفالاتهم سمحوا لروبوتات الدروع الحديدية بالتجوال في شوارعهم ومشاركتها في التضحية بقرابين بشرية على مذابح حريتهم. لكنهم وهم يسمعون طحن العظام الرخوة. وصهر الأعضاء المقطوعة، عادوا يطالبون بجلاء الدروع ونصب التماثيل بدلاً عنها.
يتذكر المثقفون العراقيون «المرابطون» على حافة مستنقع الخوف الميثولوجي، الذي كان يحرسه مسخ متثائب لا يكاد يصحو من غفوة حتى يقع في غيبوبة أطول منها، أن أحلامهم التي تنوش المستقبل بأجنحتهم القصيرة المشمعة كانت تأبى أن تتشكل في صورة مبرأة من الندوب والأخطاء القاتلة.
كانوا يطيرون بأجنحة إيكاروس إلى أقصى الأحلام بدلا من أقصى الأوطان، فيسقطون ويعلقون بكلاليب الفزاعات البرونزية المنصوبة حول حدود المستنقع، وتزداد ندوب أحلامهم يوماً بعد يوم. كانت هزات العالم الكبرى تطرق أسماعهم وتخطف أبصارهم من بعيد دون أن تدفعهم إلى اليقظة من النوم الذي جرهم إليه مسخ مستنقعهم والانقضاض عليه. وعندما اختتمت الهزات بهزة 2003 انتبه أصحاب المستنقع متأخرين.
وأزاحوا عنهم أغلال الأحلام التي قيدتهم إلى هامش ضيق، وعبروا الفجوة مع الجموع التي ساقتها العاصفة إلى وضع جديد لم تشارك في صنعه. ظنت الصفوة المرابطة أن الوقت لم يفت لإنعاش قواها النائمة، إلا أن حوادث العنف والانتقام والفوضى التي انبعثت من زلزال الفجوة أخرست ألسنتهم وجرفتهم مع الأنقاض إلى أطراف المستنقع مرة ثانية.. سكنت موسيقى الصدمة، وأدركت الصفوة المثقفة أن الوقت يفوت سريعاً للقيام بعمل حاسم. سبحوا ضد التيار الجارف في أيام الزلزال الأولى، ثم سويت الفجوة بالأرض القديمة، وأصبحت تفصلهم عنها فجوات أخر، وبدأ التيه من جديد. إنه تيه أكبر من هجرة جديدة، واجتياح أكبر من صدمة.
خرج كتاب المستنقع من مطهر 2003 وهم أشد الناس خوفاً من أصنام الحرية. أخذوا ينصبون في طريقها توسطات من نوع آخر، توسطات الخطاب المراوغ، ومطالب سوق الصحافة النفعية. استبدالات التاريخ الشخصي الخائب وتهويلات ضميره المتكلم المكسور. تشويه الوقائع، صلب خيالات أحلامهم والنواح عليها. هؤلاء «نحن» دائماً هناك مصلوبون في الأعماق الخائفة، «صيادون في شارع ضيق»، مشوقون إلى ثمار الحرية المحرمة، مطرودون من جنتها، داخلون في خرم لعنتها، تأتي نصوصنا مغطاة بأنين الاعتراف الذاتي، والحنين الأوديبي لأمكنة الطفولة الشائخة، المصالحة مع المسوخ، هروباً من مواجهة لغز الحرية وتحريرها من صليبها المتوهج بالنيران. «أهرب. أهرب من صنم الحرية ولا تواجهه»:
العنوان الكبير لنصوص عصر ما قبل الحرية. أما عنوان عصر الحرية فمصوغ على هذا الوجه: «انظر إلى الحرية تضاجع أصنامها». وعندما نسمع نداءً بعيداً يتزاحم صداه وراء الحدود التي تحجز ملائكة مدن الجليد من الدخول إلى نطاق الصلب الناري، يطوون أجنحتهم تحت معاطفهم وينوحون، نصرخ فيهم ونمنعهم من الاقتراب:
«ارجعوا. تلك حريتنا ولا شأن لكم بصلبها». لا أطالب بدق باب «الحرية الحمراء» ما دمت أجهل كل شيء عن «الباب الأخضر» للحرية، الذي صنع غموضه ومجهولية مكانه بطل قصة كتبها (ه.ج. ويلز). كان هذا الباب وهماً قاد بطل قصة ويلز إلى نهاية الطريق المؤدية إلى الموت. صنعت أضاليل الأبواب الخضر منطق الحرية المميت، كما صنعت أبوابها الحمر منطقها المفقود. لن أبحث في هذه «الجمهورية» المستباحة عن أبواب الحرية التي طرقها أبطال الحرية وشهداؤها.
سأطرق كما طرق الطارقون العابرون في أطراف «الجمهورية» باباً قصدته في يوم غابر من أيام الأعوام الستينية، متلصصاً على حريتي، واحتفظت بصدى جوابه حتى عام 1978 فعكسته في عمل بعنوان «الفزاعة ـ رقصة إيمائية» وأهديته إلى ثلاث نساء ريفيات بمناسبة تحررهن من الخوف، مرة وإلى الأبد.
ومصدر ذلك العمل منظر شاهدته على أطراف الأهوار الجنوبية: ثلاث فتيات كن يزمعن عبور مجرى مائي ضحل، على مرمى نظر مني. فجأة رفعن أطراف ثيابهن وخضن المجرى، كاشفات عن عجيزات مكورات صقيلات، وأقسم أنهن كن يعرفن بمكمني وراء ظهورهن خلف شجرة.
ثلاث كائنات مرميات وراء حدود الجشع والامتلاك استغفلن صنم الحرية المتثائب في المستنقع وخطفن حريتهن. رجت الفتيات الريفيات بأجسادهن مجرى الزمن الراكد، منذ أن كان الصليبيون البيورتانيون يقيدون أوساط نسائهم بأحزمة العفة الحديدية كلما خرجوا في سفر طويل. والآن، هل تزمع صفوتنا المثقفة إلقاء أحزمة الخوف وراء ظهورها، كما ألقت صاحباتي الريفيات المتحررات بوهمهن، وأن تواجه لغز الحرية الجديد الذي يشهره المسخ الأوديبي في وجهها؟