أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ أن مبادرة تشييد متحف «اللوفر أبوظبي» تشكل نموذجاً للتعاون الدولي البناء وتجسيداً للعلاقات الثنائية التاريخية التي تجمع بين دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية الفرنسية.

جاء ذلك بمناسبة توقيع حكومة إمارة أبوظبي وحكومة الجمهورية الفرنسية أمس بفندق قصر الإمارات بابوظبي اتفاقية ثقافية لمدة 30 عاماً تبلغ قيمتها الإجمالية88,4 مليارات درهم (مليار يورو) لتشييد متحف اللوفر أبوظبي» كمتحف عالمي ضمن المنطقة الثقافية في «جزيرة السعديات» على بُعد 500 متر من شواطيء أبوظبي.وقال صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان إن هذه الاتفاقية تشكل خطوة هامة تجاه تحقيق رؤية أبوظبي لتبوؤ موقعها الريادي كمركز للثقافة في المنطقة وجسر للتواصل الحضاري في العالم كما أنها ستفتح المجال لخلق فرص للتعليم وزيادة الوعي الثقافي لدى الأجيال القادمة.

من جهته أشاد الرئيس الفرنسي جاك شيراك باختيار أبوظبي لمتحف اللوفر موضحاً دور هذه الخطوة في تعزيز روابط الشراكة مع أشهر المتاحف في العالم وأكثرها جذباً للزوار إلى جانب مد جسور التعاون مع مؤسسة ثقافية عريقة حملت منذ نشأتها مقومات التواصل مع العالم وملامسة الروح الإنسانية من خلال أعمال فنية خالدة.

وأشار فخامته في كلمة له بهذه المناسبة إلى التزم متحف اللوفر الذي اعتمد على المجموعات الفنية الملكية الفرنسية القديمة والتي تم تعزيزها باستمرار على مدى القرنين الماضيين منذ نشأته بأن الفن هو رسالة إنسانية وفي الوقت الذي تسعى فيه أبوظبي بالتعاون مع اللوفر إلى نشر واحتضان التراث وروائع الفن العالمي إلى جانب المحافظة على هذا الزخم الثقافي فهي تلتزم أيضاً باكتشاف عصور من الإبداع وتأكيد رعايتها للتراث والحضارة بينما تتطلع بطموح إلى المستقبل.

وحضر توقيع الاتفاقية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد ابوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي لإمارة ابوظبي وأعرب عن سعادته باحتضان جزيرة السعديات بإمارة ابوظبي لمتحف (اللوفر ابوظبي) باعتباره أحد ابرز المتاحف العالمية العريقة ذات الأوجه الحضارية المتعددة والذي سيمنح إمارة ابوظبي بعدا متفردا يكفل لها تحقيق رسالتها الحضارية والإنسانية على مستوى المنطقة .

والتي تسعى ابوظبي إلى ترسيخها باستقطاب ابرز الصروح الثقافية والمعالم الحضارية في العالم بحيث تكون مقصدا هاما ومركز اشعاع حضاري وتنويري زاخر بالتنوع والتعدد الثقافي والمعرفي. وقال سمو الشيخ محمد بن زايد ال نهيان ان «اللوفر ابوظبي» سيتطور في المستقبل ليصبح متحفا مستقلا ليكون إرثا حضاريا للإنسانية جمعاء بما يتيح من أرضية مثالية للتواصل والتعارف بين جميع الثقافات.

وأشاد سموه بدعم ورعاية قيادتي البلدين الصديقين برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ والرئيس الفرنسي جاك شيراك لكافة أوجه التعاون الثنائي وحرصهما الكبير على توثيق روابط الصداقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية فرنسا مؤكدا سموه ان هذه الاتفاقية برهان واضح لما يمكن للتعاون والتفاهم بين البلدين ان يحققه خدمة لمصلحة شعبي وحكومتي البلدين الصديقين معربا سموه عن أمله في ان يسهم هذا المنجز الحضاري في إيجاد مزيد من صيغ التعاون المثمر والمشاريع المشتركة في المستقبل.

ووقع الاتفاقية الثقافية التي تعتبر الأولى من نوعها التي يعقدها متحف اللوفر بحضور سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية وعدد من كبار المسؤولين معالي الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة أبوظبي للسياحة رئيس مجلس إدارة «شركة التطوير والاستثمار السياحي» ورينو دونوديو دو فابر وزير الثقافة والاتصالات الفرنسي.

وسيستضيف متحف «اللوفر أبوظبي»، بموجب هذه الاتفاقية، مجموعات فنية متكاملة ونادرة على شكل إعارة لمدة طويلة الأجل من «متحف اللوفر» ومتاحف فرنسية عريقة منها «متحف دو كي برانليه» و«مركز جورج بومبيدو» و«متحف دورسيه» و«متحف فيرساي» و«جيميه» و«رودان» و«جمعية المتاحف الوطنية الفرنسية».

وسيعتمد المتحف نظام مبتكر يكفل تقديم مجموعات فنية فريدة بصفة منتظمة من خلال تدوير المعروضات على صالات عرض متحف «اللوفر أبوظبي»، وذلك بالتزامن مع خطة الإمارة لبناء مجموعاتها الخاصة من الأعمال الفنية. كما سيتم تنظيم معارض مؤقتة سنوياً في «اللوفر أبوظبي»، وذلك ضمن برنامج التبادل العالمي بين المعارض الرائدة في العالم.

من جهة أخرى تمهد الاتفاقية الطريق للاستفادة من خبرات المتاحف الفرنسية للمساعدة في بناء وتكوين مجموعات أبوظبي الفنية الدائمة خلال العقد المقبل إلى جانب تدشين مبادرات تعليمية ومؤتمرات فنية متخصصة ودورات تدريبية لتعزيز الوعي بالفنون العالمية في الدولة.

وفي إطار اتفاقية التبادل الثقافي أيضاً ستشهد العاصمة الفرنسية باريس إطلاق اسم المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيٌب الله ثراه على جناح خاص ضمن متحف «اللوفر» تكريماً لذكرى الراحل الكبير على أن يتم افتتاحه في جناح «بافيون دو فلور» في «اللوفر» خلال السنوات الثلاث المقبلة وسيتميز هذا الجناح بعرض مجموعة كبيرة من أبرز وأهم الأعمال الفنية العالمية.

وستساهم أبوظبي في ترميم مسرح الأوبرا الخاص بقصر «فونتان بلو» الشهير الذي قام بتصميمه هيكتور ليفول في الفترة ما بين 1853 و1856 الذي مازال يحافظ على مظهره المميز منذ بنائه بما يضمه من أعمال فنية تعود للقرنين الثامن والتاسع عشر وسيحمل مسرح الأوبرا اسم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله.

ويعد قصر «فونتان بلو» يعتبر من أعرق القصور الملكية الفرنسية حيث تأسس في العام 1137و سكنه عدد كبير من الأجيال الملكية الفرنسية بما فيهم لويس السادس عشر وفي عام 1804 أصبح القصر مسكنا لنابليون الأول وفي العام 1927 تم تحويل القصر إلى متحف وطني.

كما سيتم إطلاق اسم أبوظبي على مركز للفنون متعدد الاستخدامات، سيجري افتتاحه في العاصمة الفرنسية ويعتبر الأكبر من نوعه في العالم. حيث سيتم تخصيص هذا المركز لترميم التحف الفنية وتدريب الكوادر المتخصصة للعمل في هذا المجال، ومما سيتيح المجال أيضا لتدريب الكوادر الوطنية التي ستعمل مستقبلا في المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات.

وأكد وزير الثقافة الفرنسي ان الاتفاقية تهدف إلى انشاء متحف يساهم في تعزيز الحوار الحضاري بين الشرق والغرب عبر تقديم مجموعات فنية هامة من مختلف العصور التاريخية ومن كافة الأقاليم الجغرافية في العالم، بما فيها الاتجاهات الفنية المعاصرة مشيرا إلى ان «اللوفر أبوظبي» سيعتمد على أفضل مناهج توزيع وتقديم المعروضات والمجموعات الفنية، وسيتبع أيضاً معايير الجودة والمقاييس العلمية ومناهج العرض العريقة لمتحف «اللوفر».

وقال ان فرنسا تنظر إلى هذا المشروع المشترك كفرصة سانحة لتقديم خبراتها العريقة في مجال المتاحف إلى العالم وستساهم المشاركة الفرنسية في المشروع والتي تتم تحت اشراف مباشر من وزارة الثقافة والاتصالات، في المكالمة بين جهود أبرز المتاحف والمؤسسات الثقافية الوطنية إن هدفنا ينصب في تحقيق غاية مشتركة تتمثل في بناء متحف فرنسي للقرن الحادي والعشرين بحيث يشكل معياراً لأفضل الممارسات العلمية والثقافية للمتاحف حول العالم.

وسيضم متحف «اللوفر أبوظبي»، الذي تبلغ مساحته 24000 متر مربع، صالات عرض تمتد على مساحة 6000 متر مربع مخصصة للمجموعات الفنية الدائمة بالإضافة إلى صالات أخرى مساحتها 2000 متر مربع للمجموعات المؤقتة. ومن المتوقع افتتاح المتحف في العام 2012 على أن يتم تدشين صالات العرض على مراحل متتالية.وسيعرض «اللوفر أبوظبي» مجموعات نادرة من كافة العصور والاتجاهات الفنية إلى جانب أعمال معاصرة حسب منهج مبتكر في تنظيم المعروضات، مع التركيز على الأعمال الكلاسيكية.

وعمل جان نوفيل، المهندس المعماري الفرنسي الشهير الحائز على عدة جوائز ومن أشهر أعماله متحف «دو كي برانلي» و«معهد العالم العربي» بباريس، و«دار أوبرا ليون»، على تصميم المتحف الذي سيقع في «المنطقة الثقافية» في «جزيرة السعديات» والتي يجري تطويرها لتصبح وجهة عالمية.

ويشكل متحف «اللوفر أبوظبي» إضافة نوعية إلى مجموعة من المشاريع قيد التطوير في «المنطقة الثقافية» ومنها متحف «الشيخ زايد الوطني»، ومتحف جوجنهايم للفن المعاصر، ودار المسارح والفنون والمتحف البحري، وإلى جانب حديقة «البينالي» مؤلفة من 19 جناحاً مخصصاً للفنون والثقافة وعمل على تصاميم هذا المشروع الضخم مجموعة من أقطاب العمارة في العالم تضم كلا من فرانك جيري وزهاء حديد وتاداو أندو وجان نوفيل.

وأكد معالي الشيخ سلطان بن طحنون ان هذه المتاحف تعتبر أضخم مشروع ثقافي وحضاري معاصر وسيساهم «اللوفر أبوظبي» في تعزيز القيمة الحضارية لـ «المنطقة الثقافية» ويشكل بحد ذاته بداية مرحلة جديدة من مسيرة التطور الاجتماعي من خلال أبعاده الاقتصادية والإنسانية .

والتي ستجني الدولة والمنطقة كلها ثمارها على الأجل الطويل موضحا ان «جزيرة السعديات» تعتبر ركيزة هامة لتحقيق رؤية أبوظبي بتعزيز مكانتها على الخارطة العالمية كحاضرة للثقافة وبوتقة للحضارات المختلفة. وتوقع معاليه أن تستقطب المنطقة كافة المعنيين والمهتمين بالفنون والثقافة من جميع أنحاء العالم.

ابوظبى ـ عبد الفتاح منتصر