يحلم الفنان الروسي عبد المناب كولديف بأكثر من حياة، يستطيع أن يمتلك فيها الوقت والضوء اللازمين للعبور إلى ضفة الشاطئ السحري الذي تتراقص أشجاره من بعيد، وربما يتبدد هذا الحلم السريالي في معظم لوحاته الخمسة والعشرين، المعروضة في ستايل غاليري في أبوظبي، لغاية 25 مارس الجاري في معرض افتتحه بافيل ميركولوف المستشار الأول في السفارة الروسية لدى الدولة.
والابتكار عند عبد المناب ينبع من الشواطئ المتخيلة، ومن الأفق الممتد والفضاء الواسع، وهذا ما ينعكس على تنقله بين الظل والنور، يبحث عن الجديد دائما، عن هذا قال: «البحث هو عربتي المذهبة في الحياة، وبطبيعتي غارق بالانتقال من حالة إلى أخرى، مغرم بكل ما هو متحرك ومتجدد، الثبات ضد طبيعتي وضد روحي، فوراء مظهري الهادئ يقبع في داخلي الكثير من الأسئلة المتوترة، مع علمي بأني لن أجد إجابات كافية لكل شيء، فحياة واحدة لا تكفي لأجد اطمئناني الإنساني والفني، وهذا ما يمنحني إحساسا جميلا بالحياة، ويدفعني إلى معانقة اللوحة كمنفذ من كل هذه التناقضات». ومن العودة إلى الطفولة يستمد الفنان حديثه حيث التخيل البريء قال: «عندما كنت طفلا حلمت أن أصبح عجوزا، كان الحلم أمنية في اليقظة، ويفسر هذا شغفي بتجاوز حدود الزمن، والآن أصبحت علاقتي مع الوقت أكثر حميمية، لأني اكتشفت أن الوقت لا شيء، وفي لحظة من لحظات العمر أجد أن الطريق الذي سلكته لم يكن صحيحا، وأنني أنفقت عمري سيرا في الطريق الخطأ، وأنا في أعماقي لا أحمل حسرة على الوقت، فنحن نأتي إلى هذه الحياة مرة واحدة ربما من أجل هذا كله أعلم نفسي معنى الانتظار والصمت».
والحديث عن الطفولة التي تؤسس للكثير ما زال مستمرا فاللوحات التي لا تحمل عناوين في معرضه تعود إلى تلك المرحلة إذ يؤكد الفنان: «منذ طفولتي تعلمت أن أكون متحررا من الأسماء، لا أعطي للأشياء مسميات محددة، لأنني بذلك أقيد دلالاتها وحريتها وأضع نفسي وصيا عليها وعلى من يراها، وكثيرا ما أشعر أن أسماءنا سجون ضخمة، نتحرك فيها متوهمين حريتنا، فعندما تتحرر الأشياء من الأسماء تصبح أجمل، وتتسع حركتها، ولذلك فضلت أن أترك أعمالي حرة بدون عناوين لأجل أن تتسع حركتها».
ومن الطفولة ينتقل عبد المناب إلى بلده داغستان قائلا: «أحب الأماكن بشكل عام، وأحب داغستان بلدي كما قال شاعرها العظيم حمزاتوف، وعندما أذهب إلى جبال داغستان أشعر بأنني قريب إلى حد كبير من مصدر قوتي وطاقتي وتجديد دمائي، ولكن في نفس الوقت لا أريد أن أحدد هويتي بشكل قاس، لذلك تعكس أعمالي عالما بلا حدود أو هويات قاتلة لإنسانيتنا».
أبوظبي ـ عبير يونس

