واصل بيت الشعر ملتقاه الأسبوعي في قصر الثقافة مساء أمس الأول بحضور عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة ونخبة من الشعراء والمثقفين والإعلاميين.. وضم ملتقى ثلاثاء هذا الأسبوع قراءة نقدية في مجموعتي الشاعرة جميلة الرويحي «بكاء المطر وامرأة الرمل» قدمها الإعلامي وائل الجشي وأدار الندوة وعقب على القراءة الدكتور إبراهيم الوحش، وتخلل الملتقى قراءة الشاعرة: لقصيدتين من أشعارها.. وحوارات ومداخلات أثرت القراءة وأضافت عليها كما وتعارضت مع بعض جوانبها.

وأوضح الجشي في بداية مداخلته أن الأسئلة تتجاذب عادة من يتصدى لعملية نقدية، وخاصة حين يكون العمل في مستهل مسيرته، ويخشى الناقد المجاملة إلى حد التضخيم أو القسوة إلى حد التحطيم، وفي كلتا الحالتين ظلم، ليس لصاحب العمل وحسب، بل للناقد وللعملية النقدية كذلك.

ويضيف الجشي، لابد أن أبحث في جوهر العمل الذي يطرح نفسه أمامي على أنه شعر، بمعنى أن علي أن أحاول تلمس الشعرية التي تمنح العمل شرعية التسمية، إن جازت العبارة، ليس بالنظر إلى شكل العمل الذي لا يلتزم عموداً شعرياً أو تفعيلة، فالأمر ذاته ينبغي أن يكون حتى لو كان العمل ملتزماً عمود الشعر أن تفعيلته.

«بكاء المطر» هي المجموعة الأولى والباكورة لدى جميلة الرويحي، ولعل هناك من يتساءل: كيف يكون للمطر بكاء والمطر ذاته دموع؟ ويستدرك الجشي قائلاً: لماذا نفرض التفكير المنطقي على المبدع؟ ألا يمكن أن تكون للمبدع رؤية مغايرة، بمعنى أنه يرى المطر بالياً، وربما يحس بنحيبه.

مقاربات فلسفية

ويرى الإعلامي وائل الجشي أن في أعمال الشاعرة جميلة الرويحي صورا لافتة ومقاربات فلسفية، حيث يقول إن في نصها الشعري «بكاء المطر» صور لافتة وقدرة على النسج الرشيق للمفردات، مستشهداً بالمقطع التالي:

الملح أحلى من السكر

عند ذرف الدموع

وأغفو على حلم في دمي

مشبع بكلام

ونقتات الرغيف

لوجع الفصول في هجيره..

ومن نصوص «بكاء المطر» التي تلفت القارئ «نشيج المحابر» حيث نلمس في أجوائها مقاربات فلسفية، كما ونلمس ذلك في «شج في خافقي» حيث يفتتح النص بإشكالية خلاف الإنسان مع أخيه الإنسان منذ بدء الخليفة، كما في مطلع القصيدة:

شج قابيل رأس هابيل

فأودى به الثرى

لا ترمق بنظرة الشك الغابر

تصهر أوردة حارقة

شظايا ولظى

تؤرق جذع الشجر..

وهكذا نجد أن عمود النص ـ يتابع الجشي ـ أو قوامه عبارة: «لا ترمق بنظرة الشك العابرة» وإن يكن المخاطب غير معروف، أو لعل الشاعرة تريد القارئ أن يكون المخاطب، إلا أن التساؤل هو أين الرابط بين تداعيات النص ومدخله الذي سيمهد لخفايا النص، ولو أن هذا المدخل تم حذفه، هل سيتأثر العمل؟

ويرى الجشي أن مجموعة «بكاء المطر» بشكل عام هي مزيج من الوجدانيات التي تتمثل في الحب عاطفة سامية بمعناها الإنساني وحب الأرض وحب الوطن، وحب المقدسات أيضاً التي نجدها بوضوح في قصيدة «إلى مسرى النبي» بما تحويه من مضمون غني على بساطة كلماته، ولا يخلو من صور جميلة وتعبيرات عن معاناة الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة.

لا جديد

وبالانتقال إلى مجموعة الشاعرة جميلة الرويحي الثانية «امرأة الرمل» التي صدرت بعد سنة من صدور «بكاء المطر» يؤكد الإعلامي وائل الجشي أنه لم يلمس في المجموعة الثانية نقلة إبداعية تشكل مرحلة جديدة في مسيرة الشاعرة، ويرى أنها امتداد لتجربتها الأولى «بكاء المطر» وإن كان الملحوظ عنايتها أكثر بالصورة وباللغة، إضافة لرشاقة التوظيف والابتعاد عن الخطابية، ويستشهد الجشي بقصيدة «امرأة الرمل» التي تعنون المجموعة بعنوانها:

وجع اطلال

على مشارف تلك المدن

يستيقظ شوق

ينزف على رمال

تتحرك ذاكرة الزمن

وتبحث في سراديب..

وفي الختام ـ يضيف الجشي ـ إننا أمام موهبة مبشرة بالنظر إلى ما تضمه صفحات المجموعتين، ولا شك أن التجربة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الصقل والإثراء، لأن إحساس الشاعر بأنه بلغ شأواً وهو في بدايته نذير تراجع، وربما أفول.

تعقيب

من جهته عقب الدكتور إبراهيم الوحش على القراءة، مؤكدا على أن المدارس النقدية متعددة، كما هي المدارس الشعرية، وهناك اشكالية كبيرة بين النقد والإبداع، وكوننا أمام نصوص تندرج تحت باب قصيدة النثر، إذن لا داعي للحديث عن الأوزان والقوافي، ويجب أن ينصب الحديث على الإيقاع الداخلي والصور المتلاحقة التي تشكل بنية النص.

وأضاف الوحش أن عنوان الديوان يفتح بوابة لعناوين لنصوص أخرى، لأن المطر يبكي، ولهذا البكاء دلالة كبيرة عند الشاعرة، لأن التكسير والانزياح والابتعاد عن التقليدية هو بمثابة الكشف والضوء لأن له حمولة دلالية، وذات الشاعرة شكلت هماً ممتداً من بداية النص الأول مروراً بنصوصها في المجموعتين التي وجدت بينهما مساحة وتطوراً في المفردة والمضمون والانتقال من الهم الخاص والاندغام مع هموم الجماعة.

وتطرق الوحش إلى استخدام الشاعرة للضمائر والأفعال، وتوظيفها للتضمين توظيفاً أدى إلى اكتمال النص الشعري، كما تحدث عن رؤية الشاعرة واستشرافها وصورها ولغتها الواضحة التي تساعدها على توصيل أفكارها بسلاسة وقوة.

هذا وألقت الشاعرة جميلة الرويحي قصيدتين من أشعارها استطاعت بطريقة إلقائها أن تعزف موسيقاها الخاصة، وتركز على المفاصل العاطفية والوجدانية التي أرادت أن تصل مختلفة إلى آذان القارئ، ودار نقاش مكثف حول الورقة التي قدمها الإعلامي وائل الجشي والتعقيب الذي قدمه الدكتور إبراهيم الوحش، مما أثرى الجلسة من جهة وعمق الخلاف والتباينات الضرورية لمثل تلك اللقاءات من جهة ثانية.

الشارقة ـ محمود أبوحامد