يستعد عدد من الأسماء الأدبية الواعدة في الإمارات لتقديم نفسها إلى الساحة الثقافية؛ في ما يبدو كقرار لتتخطي حاجز التردد في الكتابة، والخوف من النقد. أحدث هذه الأسماء الإماراتي سلطان الزعابي، الذي يطرح نفسه من خلال عمله الأدبي الأول (عندما تطمح المرأة ويغضب الرجل) وهنا إطلالة مبسطة على ملامح العمل الواقع في 500 صفحة من القطع المتوسط.
وإن دلت هذه المبادرة (المغامرة) على شيء فإنما تدل على مدى إدراك هذا الجيل بأهمية العمل الأدبي وأهمية المشاركة في ترجمة الواقع ومحاولة تسليط الضوء على قضايا هامة ومؤثرة في المجتمع، والقيام بدور فاعل في الحراك الثقافي المحلي. ومن هذا المنطلق لابد من الترحيب بهذه النماذج والاحتفاء بما قدمت.
وقد لا يمنع ذلك من التساؤل.. هل استعجل الكاتب بتقديم نفسه؟ وهل توفرت في عمله شروط العمل الأدبي؟ قدم الكاتب عمله (كمحترف) حين صدر الكتاب بشرط يمنع النقل أو الإنتاج والخ لأي جزء من الكتاب إلا بموافقة خطية منه، وبإهداء إلى زوجته، وبمقولة للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان؛ عدت مفتاح الفكرة الأساسية للعمل ككل.
فالعمل يتضمن حكاية زوجين شابين (حميد ودانة) هما بطلا العمل وقضيتهما المحورية هي قضية مجتمع بأكمله، المجتمع الذكوري البحت.
قسم الزعابي عمله إلى ثلاثة أجزاء وكل جزء ترأسه عنوان تفرع منه عناوين. فما هي مبررات هذا التقسيم وضرورته للسرد الروائي؟
الذي انطلق من الواقع اليومي المعاش وليس المعاصر فحسب، حيث يرصد التطور العلمي من خلال مجموعة من الفتيات والشباب الخريجين مسلطا الضوء على تخصصات حديثة مختلفة عن السائد من التخصصات التقليدية التي بقيت ملتصقة بالفتاة ردحا من الزمن، والتي ظلت خيارها الأساسي بين الآداب والتربية وعلم الاجتماع، بينما هي اليوم خريجة تقنية معلومات واتصال جماهيري وإخراج تلفزيوني وإنتاج سينمائي وغيرها من التخصصات العلمية التي تلبي احتياجات سوق العمل.
تداخلت في العمل قضايا عدة، وظواهر عديدة منها كثرة حوادث السير التي راح ضحيتها وما زال العديد من الأرواح يوميا، والتمسك ببعض العادات السلبية وخاصة في ما يتعلق بزواج الأقارب، الذي أدى إلى تزايد الإصابة بالأمراض الوراثية وأولها الثلاسيميا، كما تسبب في ظاهرة العنوسة. كشف العمل أيضا التحزبات التي يقوم بها الرجال في بيئة العمل فيما يشبه اللوبي لمحاصرة وتهميش المرأة الموظفة التي تتمتع بالمهارة والكفاءة التي تؤهلها لإحراز الترقيات الاستثنائية وتولي المناصب لترأس زملاءها من الرجال، وهو الأمر الذي يرفضه الرجل ولا يقبل به فيحاربه.
كما يشرح العمل مرارة البطالة التي تحيط بالشباب ويؤكد معاناة الخريجين في البحث عن فرص عمل تتناقص يوما بعد يوم مما يدفع بهم إلى هاوية الأمراض النفسية والانحرافات السلوكية، كما يكشف مكائد ومؤامرات سوق العمل وما يشوبه من فساد، ويكشف عمليات الفساد ووسائل وأساليب الاختلاسات، وكيف تبدأ شرارتها الأولى.
لكنه في مقابل ذلك فهو لا يغيِّب أولئك المخلصين وأصحاب الرؤى العملية الفعالة في سبيل تشجيع الكفاءات من الشباب وتوفير الفرص لتنفيذ أفكارهم وتشجيعهم على الابتكار ومكافأتهم على ذلك وبث روح التنافس وشحنهم بالحماس بلا تمييز بين امرأة في هذا المجال أو رجل.
كذلك يتطرق إلى معاناة فئة بعض السكان ممن يكون مقر إقامتهم في إمارة وعملهم في إمارة أخرى، وما تتكبده هذه الفئة حين تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر فإما التنازل عن الاستقرار الوظيفي البعيد، أو الاستقرار الأسري، وغالبا ما تضحي بالأول، لتبقى في صراع طائل من أجل تحسين الدخل.
عمل الزعابي كذلك؛ يواكب التطور الهائل الذي طرأ على المجتمع في مجال التعامل الالكتروني ويؤكد أهمية ذلك في إنجاز المعاملات والأعمال وتحقيق مصالح الناس بدقة وسرعة.
كذلك يقدم العمل خدمة تنويرية للمرأة على وجه الخصوص تتعلق بتوضيح مفهوم عقد الزواج وضرورة تدوين شروط الزوجين فيه، وهو الأمر الذي لا يعيه غالبية أفراد المجتمع، وغالباً ما تبقى خانة الشروط فارغة؛ بينما هو أحد الحقوق المهدورة أو المغيبة للطرفين.
كل ذلك إلى جانب القضية المحورية، وهي نظرة الرجل للمرأة وما تتسم به من دونية ظالمة ومحاولاته المستمرة في تحطيم معنويات المرأة الموظفة تحديداً وإفشال مشاريعها وتهميش طموحها والتقليل من أهمية دورها خاصة إذا كانت زوجة، كل ذلك من أجل إبقائها في مرتبة منخفضة ومستوى أدنى من مستوى الرجل تعزيزاً منه لمبدأ الذكورة، وتكريساً لوضع الرجل الزوج ليبقى دائما في المقدمة والتذكير بأنه صاحب الكلمة العليا والسلطة المطلقة في تقرير مصيرها.
وعلى الرغم من جهد الكاتب في العناية بمنتجه، حيث بدا من تقسيمه للكتاب والاهتمام بوضع هوامش في أسفل الصفحات لشرح بعض المصطلحات والمسميات أو نسبة بعض المعلومات إلى مصادرها الأساسية، والشرط الجزائي، والفكرة الأساسية المهمة مما يوحي بالاحتراف، مع ذلك فقد غابت تسمية جهة الطباعة ورقم إجازة وزارة الإعلام عن تصدير الكتاب، ولو تجاوز المرء عن طول العنوان الرئيس - التقريري - للعمل وشكل الغلاف، فقد وقع العمل ككل في هنات متفاوتة نتيجة حداثة التجربة من جهة وعهن اللغة من جهة أخرى إذ يتضح تأثر الزعابي - وهو خريج كليات التقنية - باللغة الانجليزية وبالأدب الغربي في الصياغة وقد بدا العمل كهجين يفتقر إلى الأصالة.
وعلى الرغم من الجهد الواضح المبذول في إعداد هذا العمل ذي النفس الطويل وهو الأمر الذي يتطلبه العمل الروائي بشكل عام، فهناك الأخطاء اللغوية والنحوية الصارخة، والإسهاب المتكرر مما أدى إلى تهلهل العمل في كثير من مراحله وبالتالي إلى الترهل، وهو الأمر الذي احتاج فيه العمل إلى عناية فائقة باللغة والبناء والسرد، ولكان تخلص من عدد لا بأس به من الصفحات التي لم تكن ذات أهمية وليس لها ضرورة، مع ذلك لم يخل العمل من التشويق في كثير من مراحله.
ومما لاشك فيه أن الزعابي قد تكبد من الجهد المادي والمعنوي والنفسي الكثير في سبيل إخراج باكورة أعماله الذي حمله مضموناً غاية في الأهمية، وهو ككاتب لديه من الشجاعة حين أثار هذه القضية المفصلية في هذه المرحلة، لكونه أحد المسؤولين عن تهميش قدرات المرأة والحؤول دون أدائها لدورها المكمِّل لدور الرجل في المجتمع.
كما نجح في مواجهة أقرانه من الرجال بصراحة معلناً تأييده لتبوؤ المرأة كافة المناصب، من ربة بيت إلى وزيرة وعضو مجلس وطني، وذلك من خلال بطل العمل حميد الذي يندم في نهاية العمل ويؤكد مساندته لزوجته والحرص على تطورها المهني والوظيفي. (عندما تطمح المرأة ويغضب الرجل) عمل يستحق أكثر من وقفة وأكثر من قراءة.
فاطمة محمد الهديدي