تنشطر حياة الإنسان العراقي إلى حياتين، يومية وأبدية. الأولى حياة الكدح اليومي من أجل لقمة العيش والدفاع عن النفس، والثانية حياة السفر والحلم والحكايات. ففي نهاية يوم من الزحام البشري وتصادم الوجوه والنظرات، تخلو الروح الشقية إلى أحلامها فتطير بعد زحف طويل في الأسواق والمقاهي والدوائر الواطئة السقوف. وجها الحياة الملاصقان هذان، يوردان الجسد العراقي أوشال الأنهار الراكدة، أو يرفعانه إلى منابع الرؤيا، يرميانه في وادي الأعصاب والدماء والأفكار المحتدمة، أو يأخذانه إلى وادي السلام المكفن بالصمت الأبدي.

هذا الانقسام ليس حالة طارئة في حياة العراقيين، إنه الحراك الأكثر تعبيراً عن الطبيعة المزدوجة التي طبعت التاريخ المتقلب للدولة العراقية بطابعها، ووسمت المجتمعين المدني والقبلي بميسمها الذي لا يزول أثره، بل تتعمق ألوانه بالانتقال من حال قديم إلى حال جديد. وليس في هذا الانقلاب والاضطراب تقدير مقدر علي شعب عاجز ومقيد، ولكن إيحاء برسائل طبيعية تنتشر كجذور (شجرة آدم) في أرض الأنبياء، وتجري كجريان نهرين متعانقين في لا وعي الخليقة الرافدينية، وتنشد مع نقيق الضفادع النشيد المأتمي لانتفاضات الأهوار.

في التقدم إلى أمام، خلال التاريخ العظيم لشعب وادي الرافدين، رجوع عكسي إلى نقطة الصفر (صفر الدولة)، إلى نقطة التأمل في التكوين العجائبي لكائن يساوم على حياته الثمينة في أسواق الغرور بأبخس الأثمان، ويلقي بروحه الطيبة في أتون الصراعات المرحلية، ثم يذهب إلى فراشه حالماً بمستقبل قد لا يتحقق في أي وجه من الوجوه، بأسلوب سرديات بخلاء الجاحظ الساخرة، أو مقامات أبي زيد السروجي الماكرة.

سقت هذه المقدمات اضطراراً لأبدأ قيامتي الطبيعية في مسقط رأسي، وتحرير رسالتي القصصية من نشأتي، جوار نهر (الخورة) في بصرة الحكايات وثغر المتحدثين والمخترعين وغارسي النخيل وكابسي التمور، والراقصين والحواة والمهرجين واللاعبين بنرد الحظ في ظلال الشرفات الخشبية، البيض والسمر والزنج والزط، عبيد الشطوط وآلهة الملاريا.

آنذاك، أيام الدراسة في ثانوية «العشائر» اعتدت التجوال على ساحل صخري يغمره المد فالتقط رسائل التمرد التي تلقي بها أبراج السفن المحيطية نحوه، ويجرده الجزر من ثوبه الأخضر فأنصت لأغاني الصمت والحنين في ثقوب سراطنيه، وبين المد والجزر ألوح للأجساد المسفوعة على «الأبوام» الراسية، محترقا بشمس البحار وسؤال السفر وعجب الحبال الملتفة حول صار شاهق يثقب زرقة السماء، ثم أنسحب إلى عمقي الداخلي ملتحما بأفدار المنتظرين عند عتبات منازلهم، مودعا المتون المهاجرة المتروكة على ساحل الصخور المثقبة.

كانت قصص مكسيم غوركي ترصني في خلايا الحياة اليومية المعاندة، بينما تناديني صخور الساحل للإصغاء إلى رسائل الحكاة السمر الطليقة. كان الذهاب إلى مملكة الرسائل النهرية يمر بأزقة وشرفات وعربات ونوافذ واطئة ومزابل ودكاكين وسبل ماء وسراديب، شحاذين ومشردين وحلاقين وفوالين، نداءات وأغان وشهقات تمتزج بالصدى المتلاطم لدروس التاريخ العراقي بين جدران الثانوية العشرينية السميكة، ثم تذوب شيئا فشيئا في هسهسات الماء في ثقوب الصخور التي حفرتها السراطين في جرف النهر.

استطال ذلك الزمان الأخضر سنوات، ودفعت غرغرات الثقوب برسائل المملكة النهرية الأخيرة، ثم انطبق الأفق المحدب مثل ترس سلحفاة منذراً باقتراب سحب الحرب، وغدا انتزاع قصة جديدة من ساحل مرصوص بالنذر والتوقعات مرهقا للمخيلة الحساسة لأخفت الأصوات وأضأل الحركات. احتجز النهر السفن السندبادية بسلاسله الصدئة، وسدت متاريس الأكياس الرملية الطرقات إلى النهر، وكانت طحالب الواقع المتشابكة تفرز سائلا لزجا زفراً ثم تفسخت أصوات الأبدية الحاكية في ثوب السرطان وانقطعت الرسائل.

أتذكر أياما كان الخروج فيها إلى صخور الشاطئ واعداً بهبات تافهة طافية مع الأسماك الميتة، وأصداء مدافع بعيدة وراء الضفة الشرقية تذوب في صليل الأغاني الهستيرية وفوضى الأصوات البشرية المنسحبة إلى ملاجئها. ما أن تقترب ساعة الغروب حتى يعود السيل البشري إلى ثقوبه المنزلية ويسبت مع ثعابين أحلامه، فلا يسمع في الشوارع المقفرة غير أنين الأرواح الزائرة، تطرق الأبواب المقفلة وتسأل الدخول والحماية. كان إيواء هذا الأنين الشارد من الحرب ومسامرته في عمل سردي يخفف من الشعور بالذنب لمشاركة صامته في قتال لا تبدو له نهاية، تقذف طاحونته بالمعاقين والمخبولين والهاربين في كل صباح جديد.

عاماً بعد عام، امتدت أمام ساحل النصوص مراس طويلة للسفن المحطمة، العاطلة عن السفر، صدئت وتقشرت وسكنتها الأشباح، وكان العثور على ثقب سرطان يلفظ رسائله الحاكية معجزة من معجزات الرؤى الخضر الهاربة من أزمنة الحرب. انبثقت قصة «رؤيا خريف» من ثقب سرطان. في جو كابوسي، سبق عبور الشاحنات العسكرية إلى الضفة الأخرى على جسر حديدي نصب تحت جنح الليل في خريف عام 1980.

وما زالت قشعريرة كتابة هذه القصة تعتريني كلما تذكرت هدير قافلة الشاحنات المتصلة، وصليل سلاسل الجسر المتماوج تحت ثقل الجنود والسلاح، يكتمان هسهسات المياه وغرغرتها وأناتها في ثقوب الجرف الخصري. كم أتوق أكثر من ذي قبل في فوضى الزحام البشري اليومي إلى سماع تلك الرسائل المغرغرة، واستعادة نصف حياتي المفقود من أعماق الثقوب الخضر، وصوغ «بيانات» أرسلها إلى سواحل الممالك البحرية السعيدة. بفرح كبير.