في صالة «السيد» للفنون التشكيلية بدمشق، وما بين 5 و24 فبراير 2007، أقام الفنان الخطاط «جمال بوستان» معرضاً فردياً لأعماله الحروفيّة الجديدة، ضمنه خمساً وثلاثين لوحة منفذة بتقانات لونيّة مختلفة، مبنية بصيغة حروفيّة تتماشى فيها الأصول الكلاسيكيّة للخط العربي بالحداثة التشكيلية التجديدية، فهو يجمع في معمار لوحته، بين رشاقة التشكيلات الحروفيّة والمساحات اللونّية الشفيفة المطرزة بوحدات زخرفيّة هندسية تتوفق وتنسجم مع روح الحرف العربي وجمالياته التي تغرّد في فضاء التجديد هي الأخرى.
وفي أعمال أخرى، يرصف كلماته وجمله، خالية من الزخارف والمساحات اللونّية، إنما يقوم بإدخال اللون إلى جسد النص، عبر تلوين النقاط، والتنويع بثخانة الحروف، لتبدو اللوحة وكأنها اشارات موسيقيّة موزعة باحكام، فوق بياض اللوحة السعيد بمحولاته التشكيليّة والدلالية والتي سرعان ما تتسرب من البصر إلى البصيرة، لتهندس الروح.
وتطلقها في فضاءات رحبة، تفرزها حالة من الانسجام والتوافق الساحرة، بين المبنى والمغنى، والحامل والمحمول، والشكل والمضمون، والمجرد والمشخص، والكلاسيكي والحديث، والدلالة المباشرة للكلمة والنص، وايجاءات التشكيل البصري المتوازن والمدروس خطاً ولوناً ومعماراً وارتكازاً.
بمعنى آخر، يتماهي العقلي بالحسي، في لوحات الفنان جمال بوستان، ونكهة الأصالة بنكهة الحداثة، والدلالة الاتفاقية للحرف والكلمة، بالدلالة البصريّة التجريديّة. وهكذا يوازن هذا الفنان في منجزه البصري الحروفي بين صرامة العقل ورهافة الإحساس، وبين وضوح وجلاء معنى النص وغموض معماره التشكيلي البصري، مانحاً المتلقي، فرصة التنزه بينهما، باحثاً ومنقباً، عن معنى النص في عباراته تارة، وفي معماره البصري، تارة أخرى!!
الفنان جمال بوستان من مواليد القنيطرة عام 1942. درس الفن والخط دراسة خاصة. اشتغل في تصميم الشعارات وأغلفة الكتب والمجلات والإخراج الصحافي، وهو عضو جمعية الخطاطين واتحاد الفنانين التشكيليين السوريين. أقام العديد من المعارض الفرديّة، وشارك في معارض داخلية وخارجية كثيرة، كما نال شرف كتابة مصحف الشيخ مكتوم ما بين عامي 1997 و2002.
معرضه الأخير أراده احتفالاً تكريمياً لبلدته التي أبصر فيها النور، وسار في دروبها الناصعة كثلج حرمون، حيث محبوبته تغفو بين أشجار الكينا وطحالب الصمت البازلتي، حالمة بالصدى الآتي من قمة الخضر الشامخة فوق نبع بانياس إلى الحمة وجسر بنات يعقوب الممسك بين دفتيه أطراف الشريعة الهادر بترنيمة الجولان.
دمشق ـ د. محمود شاهين
