استضافت رابطة أديبات الإمارات صباح الثلاثاء في قاعة العروض بنادي سيدات الشارقة؛ بلال البدور الوكيل المساعد للشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، في لقاء مفتوح تمحور حول (اللغة العربية والهوية الثقافية) استعرض البدور عددا من الشواهد والمواقف القديم منها والحديث، والتي كانت مؤشرات على تراجع اللغة لدى متحدثيها وليس تراجع اللغة في حد ذاتها. وبدا البدور متفائلا من أمن اللغة لكونها محفوظة من المولى عز وجل حيث قال سبحانه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) صدق الله العظيم.

ثم انطلق البدور بمداخلته من مادة الجغرافيا التي عاصرها كطالب في مرحلة سابقة إذ كانت المادة تتحدث عن الأجناس والأقاليم وخصائصها وصفات سكانها وألوانهم وأشكالهم ولغاتهم مما يدلل على تعدد اللغات ومنها اللغة العربية، فاللغة كما أعرب البدور ليست مجرد أداة للتخاطب بل هي مخزون معرفي يستطيع المرء من خلاله أن يكوِّن شخصيته ويختار دوره الثقافي والحضاري. ولكن هناك بعض النماذج القديمة والحديثة من الأخطاء التي تقع أثناء التخاطب فإن لم يتم التصدي لها في حينه وتصويبها فإنها تؤدي إلى معان بعيدة عما هو مقصود، وذلك حسب سياق الكلام وكيفية نطق المفردة والاستشهادات كثيرة.

وأضاف: أنه كلما ابتعد الإنسان عن لغته العربية لن يستطيع أن يصل إلى المقصد في لغته وفي القرآن كذلك. وأما عن مبررات حماية اللغة حسب البدور، فمنها ما هو شرعي، ومنها ما أشار إليه أمين عام المنظمة العالمية للثقافة والعلوم اليونسكو في العام 1999 م حيث توصل الباحثون إلى أن أكثر من 3000 آلاف لغة من اللغات القومية مهددة بالضياع، وأن اللغة التي لا يستعملها 30% من مستخدميها الناطقين بها مآلها الاندثار.

وعلى الرغم من أن اللغة العربية يتحدث بها نحو مليار من جمع العرب والمسلمين والمقيمين في غير الدول الإسلامية من المسلمين، إلا أن ما يهدد اللغة العربية هو مزاحمة اللهجات العامية.

وان من أهم عوامل ضعف اللغة هو عدم قراءة مجتمع بلغته، وإذا نظرنا إلى قراء العربية لأدركنا العلة، فالمجتمع أو الأمة الانجليزية تقرأ سنويا ما نسبته 40% إلى 50% والمجتمع الإفريقي والأوروبي ما نسبته 25% أما السنغالي فإنه يقرأ ثلاثة كتب في السنة، فهل تطبق مثل هذه النسب على العربية؟! وما هو مصيرها؟! علما أن أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ كانت تطبع ثلاثة آلاف نسخة من كل كتبه.

هذا وقد وجه البدور اتهامه إلى المجتمع بالدرجة الأولى حيث يساهم في ضياع اللغة وساق أمثلة ثم أشاد بالتجربتين الفرنسية والألمانية اللتين استنتا قانونين لحماية لغتيهما، واشترطت فرنسا ألا يعرض أي برنامج على تلفزيونها ما لم تتم ترجمته إلى الفرنسية، مضيفا:

لو أردنا معرفة ما يترجم بالعربية فإنه 03،% مما يترجم إلى الألمانية على سبيل المثال. وقد تطرق إلى أثر الغزو إن كان اقتصاديا أو عسكريا أو ثقافيا فإن ما يقوم به الغازي بداية هو فرض لغته لأنه بذلك يجعل الطرف الآخر يتحدث بلغة ويفكر بثقافة غير المنتسبة لحضارته الأصلية.

وحين فتح العرب اسبانيا حولوا لسان سكانها إلى اللغة العربية ولمَ استعيدت أعاد الأوربيون اللغة الأجنبية إليها. لكن في بعض مجتمعاتنا العربية خرج الاستعمار منها وبقيت لغته، مثل المغرب العربي حيث اللغة الفرنسية طاغية، إن الأضعف هنا يبقى تابعا دائما.

وقد وجه البدور اللائمة في تراجع استخدام اللغة العربية إلى المدرسة وهي المسؤول الأول في تأمين سلامة اللغة والتخاطب بها، ومن ثم الإعلام وخاصة التلفزيون باعتباره الأكثر مشاهدة. وأبدى اعتراضه على تعريب بعض المفردات ورفض تسميتها بغير ما وصلتنا إليه لكونها من اختراع الغرب ومنها التلفزيون فهو ليس تلفازا والكمبيوتر ليس حاسوبا والفاكس ليس براقا لكونه ليس من اختراع عربي.

كما أكد أن الغزو الثقافي لا يمكن مقاومته بالندوات والمحاضرات، مشيراً إلى المرتبة التي وصلت إليها اللغة العربية اليوم وهي السادسة؛ لكنها في الإمارات المرتبة الرابعة للمتفائلين، ذلك لأنها تزاحم باللهجات العربية العامية المختلفة. وخلص البدور إلى ضرورة إدراك أن الثقافة العربية ثقافة أصيلة عبر التاريخ، وقد أُنتجت بجهود العرب ومنهجهم، وأن مخزونها القرآن سواء أفرزها العلم العربي أو نقلها من العلوم الأوروبية.

وأن الثقافة العربية هي المكوِّن الأساسي للأمة العربية التي تحدد هويتها بين الأمم، وأن هناك تلازما بين حياة اللغة وحياة الأمة، فالأمة الحية لاشك في أن لغتها حية والعكس صحيح، كما أن اللغة هي مستودع الثقافة العربية وهي أداة التعبير الذي لابد من الحرص عليه، وكلما تجددت اللغة أنتجت معارف وعلوما، كما استبعد مشاعر الخوف من اندثار اللغة العربية، بينما تخوف مما يهددها من ابتعاد الأبناء عنها وهوانها عليهم.

ويكمن وجه الخطورة في تصور البدور إذا ما حوصرت اللغة العربية لتبقى تعبدية تختص بالصلاة وقراءة القرآن، كثيرون اليوم لا يقرأون القرآن، وأن من ينقطع عن القرآن سوف ينقطع عن اللغة وعن التشريع وعن النص القرآني. كما دحض بعض الاتهامات التي وجهت للغة العربية من كونها ليست أداة إنتاج علمي ولا هي أداة دراما أو تواصل حديث مستشهدا بشيوع المسلسلات المدبلجة.

وسهولة التواصل معها من خلال اللغة العربية الميسرة حيث تفهمها كافة المستويات العمرية والثقافية في المجتمع، إلى جانب شيوع القصيدة المغناة مما يدلل على سهولة التواصل مع اللغة وتقبلها - كأغنية - أكثر من تلك البسيطة. مؤكدا بذلك أن اللغة العربية قادرة على أن تكون لغة تواصل.

تغطية: فاطمة محمد الهديدي