تواصلت أمس الأول فعاليات معرض دبي الدولي للخط العربي في دورته الرابعة حيث ألقى الدكتور عبدالرضا بهية رئيس قسم الخط العربي والزخرفة بكلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد محاضرة حول البعد التعبيري في الخط العربي، حيث عرض مجموعة كبيرة من النماذج بين فيها المحاضر مكامن تماس الخطاطين بجمال وقوة التعبير بالاتكاء على العديد من الأفكار التي يمكن تأسيسها من العلائق التي تنشأ بين أيقونة الحرف او الكلمة والمعنى المراد.
وقال د. بهية: ان العملية الخطية تحتكم إلى جملة متغيرات تتظافر كمدخلات أساسية لتتجسد في نهاية المطاف منجزا خطيا فنيا اتصاليا بعد ان يكون قد خضع إلى الفعل القصدي للخطاط ومعالجاته بفعل الخبرة والمهارة بغرض تحقيق أهداف متعددة في ذلك المنجز.
مؤكدا ان الخط العربي طاله الاهتمام منذ زمن طويل حينما اهتم الخطاطون أولا بالبعد التدويني الذي يتحدد في إطار الوصول إلى الوضوح أولا ثم شهد تحولات كبرى في مساره عندما ظهرت أنواع من الخطوط ذات قواعد وضوابط جمالية متعددة اخترعت لأهداف متباينة، ثم استمرت رحلة التحسين حتى أصبح المظهر او البعد الجمالي سمة مميزة وواضحة المعالم، وأصبحت العديد من الخطوط تعتمد لأغراض التزيين والتجميل في المشيدات العمارية الدينية والمدنية وفي التحف المنقوشة على اختلافها حيث تؤدي أغراضا زخرفية جنبا إلى جنب الزخارف الهندسية.
وأشار د. بهية إلى أن البعد الجمالي في الخط العربي يعد بعدا مضافا على البعد التدويني حيث يرتبط بالتنوعات الشكلية والقواعدية وجمالية المعالجات التصميمية للخطوط والتكوينات على نحو لا يتوقف على قراءة النص، وقد يأتي أحياناً متجاوزا لسمة الوضوح والمقروئية لصالح المظهر الجمالي الزخرفي التزييني.وأكد المحاضر ان أهم مظاهر البعد الجمالي هو تنوع الخطوط العربية وتعدد أشكال حروفها، مشيرا إلى ضرورة التنبه إلى الفارق الاصطلاحي بين مفهومي الكتابة التي تتسم بالتلقائية والثبات والنسبي وبين الخط الذي يتسم بالتنوع الجمالي.
وقال ان من مظاهر البعد الجمالي الذي طرأ على الخط العربي هو ظهور القواعد والضوابط التي تأسست في ضوء طائفة من الأفكار والتنظيرات التي انبعثت من مفهوم حسن الخط وصولا إلى الجمال الكامل مثل الغنى الكبير في أشكال الحروف وتخريجاتها والحركات وتنوعها، فظهر التزييني إلى جانب الأعرابي، كما دفع ذلك إلى العناية بتقنية الخطوط وتهذيبها ودقتها ورونق الحبر وجودة القرطاس والعناية بالألوان واختيار المتجانس والمتناغم والمنسجم، فأصبح البعد الجمالي بعدا ينشد لذاته ويعتمد على المفاضلة بين الخطاطين والتمايز في مهاراتهم وقياس النابغ منهم والمتوفق.
وأضاف الدكتور عبدالرضا بهية: لقد أدى البعد الجمالي إلى ظهور اللوحة الخطية التي أصبحت عملا فنيا يتم تذوقه بوصفه عملا إبداعيا وليس تدوينيا فقط، بل أصبح يستهدف لذاته. ولقد تطور البعد الجمالي بعد ان ارسيت القواعد والضوابط في الخطوط التقليدية بفعل الجهود التجويدية للخطاطين على تعاقب الأزمان ليفرز لنا في نهاية المطاف ما يعرف بالتركيب الخطي، خاصة في خط الثلث الجلي.
وقال د. بهية: اذا ركزنا الحديث على خط الثلث الجلي الذي لقي من عناية الخطاطين واهتمامهم بحيث يبدو وكأنه اختزل فن الخط العربي كله، وأصبح ميدانا يتبارى فيه الخطاطون على مستوى التركيب والتلوين، فان تأمل وتحليل التراكيب المتميزة التي أبدعها الخطاطون يمكن ان تحيلنا الى جملة حقائق منها: الحفاظ على تسلسل النص من الناحية اللغوية مما يتيح الاستطراد المتتابع والسليم في قراءة النص.
كذلك مراعاة التوازنات المحكمة بين مواضع الحروف وتقاطعاتها والفضاءات البينية، وأيضاً التأكيد على التناسب وهو علاقة جمالية تتيح للمتأمل الإحساس بأن ثمة انسجاما يحكم التكوين الخطي. وكذلك ان يتحاشى الخطاط التعسف في أوضاع الحروف، وان تكون الضرورة الجمالية في تقاطعات الحروف ببعضها مع بعضها الآخر بشكل متعامد قدر الإمكان، والتحسب لمواضع النقاط بالنسبة للحروف المنقوطة بشكل مدروس على ان لا تبدو وكأنها محشورة في موضع او تكون في غير أماكنها الصحيحة فتؤدى إلى القراءة المصحفة.
كما أشار المحاضر إلى ان الخط العربي وبالرغم من انه يقوم على البنية اللغوية وانه يمثل مظهرها المرئي غير انه كفن كتابي يتجاوز النظام اللغوي ودلالاته ويضفي عليه أبعاداً علامية جديدة ليست من شروطه الأساسية كنظام وبنية، ذلك ان مظهر اللغة من خلال الشكل الخطي يفرز أبعاداً متنوعة ومنها البعد النوعي والبعد العلامي والبعد العلامي الجمالي، والبعد العلامي الدلائلي والبعد العلامي الشكلي والبعد العلامي الزخرفي..
وختم الدكتور بهية محاضرته باستعراض مجموعة كبيرة من النماذج التي تبين استفادة الخطاطين من جملة هذه الأبعاد وأساليبهم في استغلالها من اجل التأكيد على البعدين الجمالي والتعبيري في أعمالهم الإبداعية..
كتب مرعي الحليان
