تبدأ الحالة إياها عادة حين تصير اليوميات أكبر من الخيال وأبعد من أحلام اليقظة.. هكذا ضرب جدي التلفاز بعكازه حين شاهده لأول مرة في حياته، وهرب منه إلى قاع الدار، ومن يومها صار يطلب من حفيده أن يشغّله له من بعيد كي يسمع أخبار المساء بعد أن صار المذياع القديم علبة غريبة في يد الأطفال.
حالة فصام جدي يمكن أن تذهب إلى توليفات التخلف ومواكبة العصر، لكن قهره الحقيقي من الأخبار سارع بمرور سنوات عمره وربما هذا التلفاز فعل ذلك أيضاً. حالات فصامنا أشد انشطاراً، فما عاد ثمة ما يطلق عليه بالازدواجية إلا ازدواجية المعايير..
كنا نحزن على شعارات ك: أنا وابن عمي على الغريب وأنا وأخي على ابن عمي، ونبكي على فقدان الأخ لأخيه.. صرنا نبصق على قتل الأخ لأخيه وتسيل حسرتنا مع لعابنا عن انشطار الحزن فينا، وتستطيل خيالاتنا مع هواجسنا، وأحلامنا مع وهمنا، وأسئلتنا مع حسراتنا.. كيف تصير الطوائف جغرافيا الأمة، والحدود المصطنعة التي كانت بين دولنا نتمنى حقيقتها اليوم لأننا نبكي حدوداً جديدة بين المدينة والمدينة والحارة والحارة والشارع والآخر.
ويصرخ شعب بأكمله تحت الحصار ويصير العدد حرفاً والحرف مجرد آه تنتهي مع نشرة الأخبار، ويكبر العجز فينا، يكبر ويكبر ويكبر.. يصير خيالنا حبال غسيلنا ونتحول إلى وحش خرافي يعيد للشعب كسرات من الخبز مع قليل من الشاي.. قليل مما يسد الرمق كي لا يموت أحد من الجوع..
قطرة قطرة لا موت من الجوع بعد الآن يا جنرال، لا هزيمة لأحد ولا انتصار لأحد، الكل منتصرون يا جنرال.. وترف الرايات على الشاشات الفضية، تقصف الطائرات الأميركية معسكرا للإرهابيين وتنبش الأيدي المحايدة تحت الأنقاض، وتنتشل الأمهات جثث أطفالها، ويغيب رئيس ويعود آخر.. تصغر الصورة تصغر تصغر ويكبر عجزنا، نتحول إلى عجز عجوز ينام على شخير أغنية ساقطة، ويسقط في كابوسه المجاني حتى الصباح.
تستيقظ من جديد على ساعات في العمل وساعات في الطرقات وتدور الأيام وتدور معها تصير رقماً تصير حرفاً تنتظر آخر الشهر في أسرع بورصات العالم لبيع العمر.. ويتسرب عمرك من بين أصابعك نقطة نقطة، سنة سنة، وتصير أنت وذاكرتك في خطين متوازيين منفصمين لا يلتقيان حتى في القبر، وتنسى ما ستقوله للملكين.
تتذكر شبابك: كيف كان لبنطالك الجديد معنى لا يقل روعة عن معنى الحذاء، وكيف كان لشخير والدك توليفات مغايرة لمعنى تعبه، وغصة في حلقك وتواتر مع تنفسك.. كنت تشعر أنكما تتنفسان برئة واحدة، فتستيقظ في صباحه المشرق على معان متعددة للحياة، واستشرافات واحدة للإنسانية... يصغر بك وتكبر به ويغادرك مستعجلاً إلى تعبه من جديد.
حين تتذكر جدك وتشاهد ابنك الذي يشبهك تماماً ولا يرتدي ما كنت ترتديه ولا يسمع أغنياتك ولا يعرف ماضيك ولا يفقه حاضرك ولا يحزن على حزنك ولا يضحك حتى على نكتتك.. تشك في أصل مشيمته ونسغ اكتسابه وربما أبوته.. فتهرب منك ذاتك إلى فضاء موحش من التساؤلات، تتحول كلك إلى إشارة استفهام تنحني تنحني يصير فمك مواجهاً لركبتيك تركع على نصفيك وتصرخ، أو تضحك، أو تبكي.. أو تبحث عن نصفك الحقيقي، فتهب الريح لتعيد لك انتصابك من جديد، وتتحول إلى إشارة تعجب، تبحث عن نقطتها.