مع إرهاصات الموجة الحضارية الثالثة الآن التي هزت الكثير من الثوابت والقوانين والمفاهيم، أضحت الخطا المتسارعة للتغير مفزعة في عالم ليس من ثابت فيه سوى التغير وفريق مغامر مشجع لكل جديد وفريق ثالث يقبل الأشياء ويرفض أشياء أخرى، لذا عندما تأتي قضية تداخل الأجناس الأدبية في سياق قضية أشمل، وهي تراسل الفنون كالعادة نجد المختلفين والمثقفين والمتحفظين.

في هذا الإطار عقدت لجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة ندوة بعنوان «تداخل الأجناس الأدبية المسرواية نموذجاً» حضرها عدد من المثقفين والمهتمين بالرواية والمسرح، وحاضر فيها د. محمد نجيب التلاوي بكلية الآداب جامعة المنيا وقال:

إنه على الرغم من أن هذه القضية قديمة وجديدة معاً، إلا أننا نجد البعض من أعلام عصرنا الحديث يتحفظون ويحذرون ويرفضون فكرة تداخل الأجناس وتراسل الفنون، وإذا كنا نتحفظ في العصر الحديث ونحذر من تراسل الفنون، فإن القدماء ومنهم العرب قد شجعوا تراسل الفنون وعبروا عن ذلك بقناعات نظرية وبممارسات تطبيقية.

وعن المسرواية قال التلاوي: إنها شكل أدبي جديد تتعاقب فيه الصيغتان المسرحية والسردية وتتواليان بإخراجها الطباعي المميز، ويبدو أن إقدام «توفيق الحكيم» على كتابة محاولته «بنك القلق» قدمها وهو متشبع بوجهة نظر بعض النقاد الفرنسيين وظن أنه يقدم وليدا أدبياً مهجناً.

وأوضح د. التلاوي أن المسرواية هي رواية محملة بشكل من أشكال تداخل الأجناس «الرواية ـ المسرحية» وان رغبة الرواية في تفعيل خاصة الحضور عن طريق الصوت والخطاب والحوار بأنواعه، وهى التي سمحت بتداخل الأجناس الأدبية في الرواية ولاسيما الحوار المسرحي وهي المزج الماهر للحاضر البصري والضوئي والماضي المستحضر من خلال نقطة حاضرة قد سمح لنا باتجاه جديد.

وتفعيل خاصية الحضور في النص الروائي لم تسمح بالمسرواية، وإنما أتاحت المجال لتراسل الفنون مع الرواية، فالسينما اخترقت النص الروائي بعين الكاميرا كمطلب جمالي كرواية «ألن روب حربية»، وكذلك كرواية «تكوينات الدم والتراب» لجمال التلاوي.

إن محاولة المسرواية كشكل من أشكال التداخل بين الأجناس الأدبية قلصت دور الراوي السارد نظراً لرغبة الروائيين في مسرحية النص الروائي تفعيلاً لخاصية الحضور، ولعل هذا ما دفع نجيب محفوظ إلى العناية الفائقة بالحوار في كثير من رواياته، وقد قام وليد نجار بإحصاء هذه الخاصية الحوارية في بعض روايات نجيب محفوظ، مثل: القاهرة الجديدة بها 33 مشهداً حوارياً متنوعاً «حوار أفقي ورأسي وواصف وحوار داخلي».

كما بلغت المشاهد الحوارية في الثلاثية «بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية» مئة وأربعة وثمانين مشهداً حوارياً متنوعاً، إلا أن رغبة محفوظ في المسرحية لمشاهد رواياته لم تصل إلى حد وصفها بالمسرواية، ومثل هذه المحاولات تشير إلى تخلي الرد الروائي عن الأسلوب التقليدي وتطلعه إلى مزيد من التجريب الشكلي والحيوية الزائدة للمشاهد الروائية.

الشفوية النظرية وأضاف د. التلاوي: إن بذور المسرواية قد استزرعت بفعل الخاصية الشفوية النظرية، التي تعتمد السرد للوصف وتعتمد الحوار للتجسيم والمسرحة وهى طريقة فطرية لاستزراع خاصية الحضور في المدى التخيلي للمتلقي الشفوي المتصور عند الكاتب العربي.

وإذا كان اليقين أن العرب لم يمتلكوا بعد عناصر البناء الفني لا للمسرح ولا للرواية، فإن القول بامتلاك جذور لمسرحة الحكاية أو لاستنبات المتتاليات القصصية لليالي في تراثنا العربي أمر يستدعى التوقف، وجدير بنا إلقاء الضوء على جذور المحاولة وإن اختلفت دوافعها التنفيذية عن محاولاتنا في العصر الحديث، والتي نحن بصدد تحليل نماذجها المسرواية.

وقال: إذا كنا قد امتلكنا جذوراً لمزج السرد بالحوار في تراثنا العربي القديم أمثال: «الليالي، ورسالة الغفران»، فإننا امتلكنا في عصرنا الحديث نصوصاً مزجت بين فني الرواية والمسرحية أو بمعنى أدق استعارت من المسرحية للنص الروائي، أما المزج غير القصدي فكان في المرحلة الانتقالية والتخلق الأولى للنص المسرحي على السواء في أدبنا العربي.

وفي أوروبا جاءت المحاولة في المرحلة الانتقالية بين فن المسرح القديم وبين فن الرواية الحادث، أما المحاولة القصيدية فكانت الرغبة في التميز أو الرغبة في البحث عن شكل أدبي جديد وجاءت محاولات المسرواية، لتعلن عن جنس أدبي جديد وإنما لتعلن عن تداخل الفنون بعضها مع بعض كسبيل للتطور.

وفي أدبنا الحديث وبالتحديد بداية السبعينات من هذا القرن وجدنا محاولات لمسرحة النص الروائي زادت عن حدود الإفادة من النص المسرحي إلى حدود المزج أو الإحلال للخاصية الحوارية لتقليص دور السرد، وكانت المحاولة الأولى لتوفيق الحكيم تحت عنوان «بنك القلق 1976»، ولم تكن أولى المحاولات في أدبنا العربي في مصر، لأن يوسف إدريس قدم المحاولة الثانية للمسراوية في «نيويورك 80».

وكان ذلك 1980 ثم طالعنا لويس عوض بمحاولة ثالثة في هذا المجال وهى «محاكمة إيزيس» 1992، وإن كان قد أعلن عن وجودها بسنوات طوال قبل نشرها إلا أننا نلتزم بتاريخ النشر ومن ثم جاءت ثالثة، أما رابع هذه المحاولات فكانت المسرواية القصيرة لجمال التلاوي والتي تحت عنوان «الخروج عن النص».

القاهرة ـ داليا فاروق