لاشك أن وضع منهج نقدي لأي عمل أدبي ليس من السهولة بمكان، كما أن تطبيق هذا المنهج على مجموعة قصصية طويلة إلى حد ما كمجموعة عناقيد اللؤلؤ الأحمر فيه الكثير من الصعوبة لأن المجموعة تحوي قصصا متنوعة ومن مدارس شتى في القصة القصيرة بالإضافة إلى تناولها شتى مجالات الحياة. ولم تكن مواضيع القصص وأفكارها ذات مسار واحد بل تنوعت واختلفت لتشمل كل ما يخطر على بال القارئ ومن ذلك، القصة الواقعية السياسية: شهد القلوب، الخلية خمسة. والواقعية الاجتماعية: شهد حصان البحر، قطرة دم. والساخرة: حدث في البرلمان ـ وزير إلا ربع، حيث تفضح الزيف السياسي البراق من الخارج بهالته العظيمة والمنتن المستهتر بالشعوب وأوضاعها في الحقيقة. الخيالية: الرباح العجوز ـ فارس الرمال ـ هذا الإرث. الرمزية: الغنيمة ـ كتاب فرعون.

الشخصيات ... الشخصيات في قصص عناقيد اللؤلؤ الأحمر للكاتبة مانيا سويد واضحة تماما مقروءة مكشوفة، فهي واقعية بشرية مثلنا في قصص شهد القلوب، وشهد حصان البحر، كتاب فرعون، قطرة دم، نتعاطف معهم أو نغضب عليهم ونحبهم ونكرههم أو نكره أفعالهم، وبذلك، تلبس الكاتبة ثوب الواقعية الاجتماعية الواضحة، وهم بشر من طبيعة متسلطة ماكرة تصف بالدهاء والحنكة في قصص: هاتف، يوم في حياة رئيس، الخلية خمسة.حيث تطرق الكاتبة جدار الصمت المسكوت عنه في السياسة وأشخاصها في تحد جريء للمألوف وسخرية مقتدرة على نهج المرحوم الكاتب السوري حسيب كيالي الذي كان من رواد القصة الساخرة في سوريا. والشخصيات الأخرى افتراضية غير واضحة بل هي محاكاة لشخصيات واقعية آثرت الكاتبة أن تتبع الظل فقط دون التصريح أو المطابقة كما في قصة: محاكمة، فارس الرمال، حيث تستظل في الأولى شخصية ومحاكمة الرئيس العراقي الراحل دون فصلها الأخير المحزن، وفي الثانية شخصية حاكم دبي بفكره الاقتصادي، على ما أظن.

والشخصيات الأخرى خيالية تماماً لكن هذا لا يعني أنها منقطعة عن حالنا، ونماذج كثيرة في مجتمعاتنا لكن الكاتبة آثرت الخيال والرمز أحياناً مثل شخصية «تيمور» في الغنيمة. حيث تسرد الكاتبة بأسلوب مسجوع محاكاة قصصية خيالية لأحداث 11 /9/ 2001.

وما تلاها من غزوات وحروب انتقامية مستمرة ما دام البطلان الحقيقيان لها على قيد الحرب (ابن لادن وبوش) وما يمثله كل منهما من أيديولوجية ويطابقهما في القصة كل من (أوس وتيمور).

لغة القصة عند مانيا سويد قريبة المأخذ، شفافة، تكاد تلتصق بالمعنى المعجمي الدلالي، ليس فيها بذخ أو استعراض وهي في ذلك حذرة جداً فلغة الضابط والزعيم والفقير تلتصق بهم تماماً وتناسب مستواهم التعليمي والمعاشي، وإذا ما حدث استطراد في اللغة وارتفاع مستواها عن مستوى البطل فإن ذلك يأتي مع الاستطراد وشرود الكاتبة إلى وصف ذاتي شخصي لها ثم تعود من استطرادها لتفصل الكلمة على قدر المتحدث، وقد نوعت في الأساليب كلها حيث نجد:

ـ السرد: وتوالي الأحداث من بداية القصة إلى أزمتها ثم خيوط نهايتها مقترناً بالزمن المتدرج للأحداث ونجد أيضاً.

ـ الوصف: وهذا الوصف ظاهر وأظن الكاتبة تستمتع به بطريقة مميزة فهي ترسم شخصياتها بالألوان، وتصف البيئة المحيطة بهم بدقة متناهية ومن أمثلة الاستقصاء في الوصف الخال الذي يزين الخد الأيسر ل(كريستسن)، حيث صورته الكاتبة بدقة متناهية جعلتنا نتلمس خدنا مخافة سيلان الدم عندما عبثت به البطلة أثناء ارتباكها في قاعة المحكمة فكشطته. والوصف عندها ينحو باتجاهين:

ـ الوصف الخارجي من ملامح خارجية وطبيعة وظروف وطقس وملابس ومشاهد عامة.

ـ الوصف الداخلي، صفات ومعنويات وإيديولوجيات، وهواجس وأفكار،

والمتتبع للقصص سيجد في الشواهد على ذلك الكثير والكثير،

ـ الحوار: حوار مانيا سويد أو الحوار بين شخصيات مانيا سويد في القصص سريع قصير، يكاد أحياناً يصل إلى كلمة واحدة، وإن طال فلا يتعدى السطر أو السطرين وهو موظف لخدمة الموقف ينم عن محاور معقول دون إطناب وإذا كان الحوار مطية القصاصين والروائيين فإن الحوار في هذه المجموعة كان قليلاً قياساً للسرد والوصف وأبرر ذلك من وجهة نظر شخصية وجود كمية لا بأس بها من الرموز والخيالات في القصص وهاتان الحالتان تتطلبان السرد والوصف أكثر من الحوار.

وقبل إنهاء الأساليب لا يفوتنا أن نعرج على (المونولوج) أو النجوى الداخلية التي استخدمتها الكاتبة في التعبير عن حالات كثيرة مثل (كريستين) في «وشهد حصان البحر»، و(نبيل) في «هاتف» والشخصيات الخمسة في قصة «نصيب» فقد عبرت الكاتبة عن مكنون نفوس هذه الشخصيات بطريقة الحوار الداخلي (النجوى) باقتدار ونجاح ومتعة.

تدخل الكاتبة في كثير من الأحداث كانت مانيا سويد في برج عاجي تصف الأحداث دون تدخل، وفي أحيان أخرى تقترب من الحدث لتشارك فيه مع آخرين، وفي أحيان قليلة كانت مانيا سويد هي البطلة التي لم تتورع في ذلك عن استخدام ضمير المتكلم (أنا، ياء المتكلم).

وبالتالي نرى العلاقة بين الكاتبة والشخصيات والأحداث في مستويات ثلاثة:

ـ الكاتبة خارج القصة أو كما يقول النقاد في قصص: نصيب، هاتف، حدث في البرلمان وغيرهما.

ـ الكاتبة في القصة أو شهد حصان البحر ـ لقاء تحت الهوا، وهذا التوزيع يخلق متعة في متابعة القصص كما تمكن الكاتبة من التعامل مع المواقف والأحداث من زوايا ومناظير متعددة تثري التجربة وتكسبها تشويقاً.

الخواتم كانت النهايات تنويرية تؤدي رسالتها الواضحة، وكأن الكاتبة معلمة تريد أن تختم حصتها أو قصتها بخاتمة وخلاصة توجيهية مباشرة أو غير مباشرة، والقارئ يجد نفسه مرتاحاً وجدانياً وشعورياً لمصير الشخصيات والكيفية التي انتهت إليها الأحداث، والرسائل التي تقصدها الكاتبة واضحة في النهايات فعلى سبيل المثال (كتاب فرعون) انتهت القصة إلى حفظ الإرث والذكريات عند من يقدرها كي لا تضيع، (يوم في حياة رئيس) انتهت القصة إلى كشف المستور وبيان «الضحك على الشعب» الذي يمارسه معظم من يدعون الغيرة على شعوبهم ويتصببون عرقاً في الخطب النارية وينتزعون التصفيق من الناس البسطاء بغريزة القطيع التي فصلها علماء النفس وطبقها الحاكم في كثير من البلدان.

وأخيراً ان من الإشادة إلى مهارة الكاتبة في وصف الطبيعة وتمثل عناصرها بشكل رومانسي شاعري أحيانا وأعزو ذلك إلى منبتها في ربوع ريف الوسط السوري «حمص» وما جاورها حيث طبيعة خلابة أعرفها جيدا، تحوي كما يقول بطل تغريبة بني هلال: الماء، والخضراء، والوجه الحسن. وإلى نزوع الكاتبة لتعويض نفسها أو أبطال قصصها عن رؤية الأبراج والإسفلت والشوارع والحبس داخل الشقق الصغيرة في بلاد «أبراجستان».

عبدالرزاق درباس