أكد المشاركون في ندوة «قراءات في أدب محمد جبريل» والتي عقدت بمكتبة القاهرة الكبرى، وركزت على تجربة الروائي محمد جبريل التي تتميز بالخصوصية المستمدة من كونه ينفرد في تجاربه الإبداعية بأسلوب لا تجده في كتابات غيره، ويتضح ذلك التفرد في قدرته على استلهام الواقع السكندري في غالبية أعماله حيث مسقط رأسه وبداية نشأته.
وأوضح المشاركون أن أدب جبريل يعد بمثابة معبر عن الأدب الحداثي الذي استفاد من الانفتاح الإعلامي المتمثل في توافر قنوات اتصال حديثة تلك المتمثلة في التلفزيون، وغير ذلك من قنوات الاتصال الحديثة وأن تجربته تفردت في قدرتها على التعبير عن الواقع من خلال وسائل بعيدة عن الواقع، كالحلم والرؤية والذاكرة.
وتناول د.هيثم الحاج علي الجانب القصصي في إبداع جبريل من خلال مجموعته ما لا نراه، والتي يمكن أن تلقي الضوء على بعض سمات الكتابة القصصية لديه، حيث ترتكز هذه المجموعة على العوالم غير المرئية كمدخل أساسي لتفسير العوالم المرئية التي نعيش فيها، والتعبير عن النفس البشرية وحركاتها في غير معزل عن حركة المجتمع، والتي تناولتها المجموعة من خلال عدة مستويات، أولها مستوى الحلم سواء الرؤيا في المنام أو حلم اليقظة، فالحلم هو حركة النفس، حركة اللاوعي في التعبير عن رغباتها ونزعاتها المكبوتة وتطلعاتها ومخاوفها.
حيث نجد حلم اليقظة يقوم فيه البطل بغمض عينيه، كي يري ما لا يمكن أن يراه في الحقيقة، ثم يأتي المستوى الثاني لإدراك الواقع عند جبريل متمثلاً في الرؤيا هذا العلم اليقين الذي يستخدمه السارد كي يجعل منه وسيلة للنفاذ إلى أعماق المرئي في قصة «حقائق الجدار»، حيث تتشكل الصور على الجدار بعد نشوع الرطوبة فيه ووقوع بعض أجزاء من الدهان، فتأتي هذه الصور لتخلف حياة أخرى موازية لحياة البطل.
وأضاف: يحاول جبريل التوفيق بين المستوى الصوفي ومستويات أخرى على مدار تلك المجموعة التي تنطلق من الذاكرة وتتحدث عن السلطات ورؤية الشعب له، والصراع على السلطة والتي تشكل المتوالية المترابطة المنفصلة في جانب ما، والتي يعبر بها عن تلك العوالم غير المطروقة من خلال أساليب سردية تتنوع ما بين السارد «الأنا» المنتشر عبر المجموعة وبين السارد العليم ببواطن الأمور والموازي لوعي الشخصية الوحيدة بالقدر الذي يجعله يمثل الشخصية نفسها وبين السارد المشاهد المشارك في الأحداث.
قيمة الحرية
وأكد د.محمد زيدان أن الرواية في أدب جبريل تعتمد بشكل كبير على الأسلوب الحكائي، في انطلاقه من المنظورات السردية الخاصة بالحدث، والمنظورات الحكائية، والفعل الغائب، حيث تعد رواية «قاضي النهار» غاية التميز في الرواية العربية المعاصرة، والتي استند فيها جبريل على فعل حكائي واحد كان غائباً طوال أحداث القصة.
وهو حادثة موت محمد قاضي النهار، والذي انصبت عليها كل تداعيات الرواية، التي تقوم على مجموعة من التقارير عن سيرة هذا الرجل، وكذلك مجموعة من الصور التي رسمها الكاتب للحياة العامة في الإسكندرية، وحاول بها أن يؤسس فلسفة معاصرة تتفاعل فيها الحكاية بشكل مؤثر مع الواقع المغرق في المحلية.
بناء ذهني
وشدد الناقد د. رمضان بسطاويسي على خصوصية تجربة جبريل نتيجة ممارسته نوعين من الكتابة النقدية والإبداعية، فإن الأولي جعلته يمتلك مفاهيم وبناء ذهنيا، بينما الثانية كانت تمثل حساً للفكرة من خلال الشخوص واللغة التي يشتد حضورها، مستشهداً في ذلك برواية «رجل الظل» وتراكيبها المختلفة التي تبرز تجربة جبريل وإنجازه.
حيث تتعانق تجربته الإبداعية مع التجربة النقدية، والحضور القوي للجانب المعرفي الذي استطاع من خلاله أن يؤسس عليه معظم أعماله الإبداعية التي لا تخلو من الإشارات الثقافية لكاتب أو مبدع أو مجموعة من المتون الثقافية، والتراث والوافد الغربي بمكوناته، وتحدي الواقع وقضاياه وأحداثه. وأشار إلى أن الكتابة عند جبريل تبدأ بعد أن ينتهي الحدث الرئيسي لتكون بمثابة إعادة استدعاء لمجموعة من الخبرات الحياتية والذهنية التي يمكن أن تفيدنا.
فضلاً عن استمرارها بأشكال مختلفة، ويبدو ذلك جلياً في روايته «رجل الظل» وما اتسمت به من جسارة وجرأة في إثارة عدد من القضايا الحساسة والهامة، كما يوضح دور الثقافة الخليجية وعلاقتها بالغرب بوصفه الملاذ والمخرج من الاضطراب الذي يعاني منه المثقف داخل الإمارة التي يعيش فيها.
وتناول د.عبد المنعم تليمة رواية «زمان الوصل» لجبريل مؤكداً أن الشخصية المحورية هاشم السكندري كان يحيا في بحري على نحو الكاتب، ودفعته الظروف التاريخية والاجتماعية التي جدت على المجتمع والتي ارتبطت بشروط وظروف وملابسات عابرة لا تتصل بالعمق الحضاري والثقافي للشعب المصري، وكانت سبباً في دفع البطل إلى الاغتراب عن موطنه والهجرة المؤقتة إلى اليونان وزواجه من «كرستيا» اليونانية.
ثم رغبته في العودة من جديد إلى موطنه بينما تفضل هي البقاء في موطنها، وإن الرواية تدور في عشرة فصول وأحداثها تقوم على الأيام العشرة الأولى التي أمضاها في الإسكندرية بعد غيبة استمرت 18 عاماً، وقد جاء السرد الذاتي على لسان الراوي والشخصية المحورية في الرواية، الذي يحاول أن يصل الزمن الماضي الجميل بالزمن الذي يحياه،الآن تشوفاً نحو مستقبل أفضل..
وأشاد د. تليمة بالمراوغة الماكرة الموفقة ما بين الضمير «أنا» والذي كان أساس الغنائية في النص، وكذلك الضمير الثالث «هو» الذي كان أساس الملحمة والسيرة الذاتية، والذي أفاد منه جبريل في تأسيس الرواية المعاصرة، والاتكاء الشديد على الجملة الاسمية القصيرة، والحس اللغوي الذي ينزع إلى الجملة الفعلية، وافتقاد أدوات الربط والوصل والفصل .. معتبراً جبريل من أصحاب الأساليب الفنية الروائية المميزة التي تتخذ لنفسها محلاً رفيعاً في أفقنا الروائي الراهن.
أما د.زينب العسال فتحدثت عن سكونية الزمن وحركته في رواية «مواسم الحنين» والنقلات الزمنية فيها، والتي تعد من أهم التقنيات التي تبنى عليها الرواية الحديثة، وهي الإيقاع النغمي الذي يسير عليه السرد الروائي، لقد استطاع جبريل أن يحدث دمجاً موفقا في روايته بين الحكاية والمرتبطة أساساً بحركة السرد، ودور الشخصيات في تخليق هذا الزمن.
حين يكون الزمن الخارجي الإطار الذي يسيد النص السردي مجدداً نقطة الانطلاق، ويقوم في الوقت ذاته بالإيهام بواقعية الأحداث مما يضفي عليها المزيد من الحيوية على الشخصيات الروائية، إن الزمن السردي في روايته لا يسير في خط متصل، إذ أن هناك استرجاعات عديدة تظهر في صورة فجوات في حياة الراوي الذي صمت عن ذكرها السارد.
وأضافت: رواية «مواسم الحنين» تتناول عالما ثابتا مفروضا ويدور حول أطر زمنية واحدة تتمثل في الماضي بينما يتوارى الزمن الآتي، ويلعب هذا العالم المفروض داخل الزمانية التي تحيل الثابت إلى متحول حتى لو كان هذا التحول بطيئا وفي صور غير واضحة، والزمن هنا هو زمن السرد، وزمن شخصية المجذوب هذا الازدواج الزمني الذي لا يسير في خط متواز، لكنه يتعاقد في نقاط بعينها مع بداية الرواية ونهايتها ليصير زمنا واحداً هو زمن المحنة والألم والاضطراب.
مجمع اللغة العربية يحتفل بالعيد الماسي
يستعد مجمع اللغة العربية بالقاهرة للاحتفال بعيده الماسي منتصف مارس القادم، وتقام الاحتفالية في مقر جامعة الدول العربية، وتهدف إلى إبراز دور المجمع في المحافظة على سلامة اللغة العربية وتعريب العلوم على مدى خمسة وسبعين عاماً، وتتناول دور مجمع اللغة العربية في خمسة وسبعين عاماً. واللغة العربية ومواجهة تحديات العصر.
القاهرة ـ نهال محمود
