إذا كان ثمة خلاف عند أحد على تقوقعنا في الماضي، فابسط طرق الإقناع هي إقرار الجميع بأننا لم نضف إلى هذا العالم أي جديد منذ قرون، ولا تزال النزعة الماضوية من أهم المكونات التي نبني عليها ثقافتنا، بل ومرجعياتنا، فيغدو ما يسمى بـ «الإبداع » عودة متكررة في عملية من المحاكاة تجعل من كل لاحق صورة مطابقة لأصل سابق، ودقة هذه المطابقة صارت على ما يبدو مقياس المقارنة بين « مبدع » وآخر.. بينما الإبداع الحقيقي يقوم على الإضافة للواقع والاستشراف عبر آلية معقدة من التصورات والتخيلات والتراكمات والتفاعلات العقلية والفكرية والفلسفية.. ولحظة الوصول إلى الجديد تحتاج عند الكثيرين إلى ما يسمى بـ «الحدس» .
إن الحدس موضوع فلسفي علمي دقيق يصعب إدراك معناه بالاطلاع على قواميس اللغة العربية لأنها لا تعطي لكلمة (حدس) مضمونها الحقيقي ودلالاتها المحددة، فالحدس في اللغة هو التخمين والظن والتخيل والتوهم والتوقع والتصور والفراسة والسبر والقصد والوطء ..وهناك الكثير من معاني كلمة (حدس) وكلها لا تستطيع التعبير بدقة عن المعنى العلمي أو الفلسفي أو الأدبي أو الفني أو الأدائي..
ومع أن القارئ يستطيع أن يفهم المعنى من السياق، إلا أن الكتاب أنفسهم اختلفوا على تعريف الحدس وعلى لحظات وجوده أو طرق التعامل معه أو تمظهراته أو تجلياته .. فالكاتب إبراهيم البليهي يقول في تعريفه للحدس: هو ضوء يسطع في الذهن فجأة وبقوة فيفتح أبواب الحقيقة للباحثين.
ويمد العاملين بالإلهام، وهو ذروة المصادر الأربعة الرئيسية للمعرفة، وبرأيه إن الحدس لا يتحقق إلا بمنظومة من الشروط تضاف كلها إلى الموهبة المتوقدة، كالامتلاء المعرفي بكل ما يتعلق بالموضوع ومعايشته معايشة حميمة وكافية، والشعور القوي بأهمية الحل المطلوب، الحرارة الوجدانية التي تحشد كل طاقات الإنسان الكامنة لتتلاحم في اتجاه واحد، والاستمرار في الاتجاه نفسه حتى تنكشف الحقيقة ويتحقق الحل، الاختمار الكافي الذي يؤدي مع التلهف إلى نضج الفكرة.. وعند هذه الذروة يكون الحدس الخارق متوقَّع البزوغ.
أما الشاعر محمود درويش فيقول عن الحدس في أحد حواراته: تبدأ القصيدة عندي من الحدس، الحدس يأخذ شكل الصورة أي يصير الغامض والحلمي مجموعة صور. لكن هذا حتى الآن لا يفتتح مجرى القصيدة، يجب أن تتحول الصور إلى إيقاعات. وعندما تحمل الصور إيقاعاتها أحس أن القصيدة بدأت تحفر مجرى لها داخل أجناس أدبية غير محددة. هنا تكمن صعوبة الكتابة الشعرية. القصيدة تحفر مجراها في كتابات لا تنتهي.
وصعوبة تحقق القصيدة هي كيف تكشف عن نفسها وتنجز هويتها الشعرية داخل كل هذه الأجناس والنصوص. إذاً، الإيقاع هو الذي يقودني إلى الكتابة. وإذا لم يكن هناك من إيقاع، ومهما كانت عندي أفكار أو حدوس وصور، فهي ما لم تتحول ذبذبات موسيقية لا أستطيع أن أكتب. إنني أبدأ من اللحظة الموسيقية إذاً.
ولكن في كل كتابة هناك فكر ما. فالشاعر ليس آتياً من اللغة فقط، بل من التاريخ والمعرفة والواقع. والذات الكاتبة لدى الشاعر ليست ذاتاً واحدة، إنها مجموعة ذوات. إذن هناك فكر ما يقود عمل القصيدة. أحياناً تتمرد الكتابة على الفكرة التي تقودها وتصبح الكتابة هي التي تقود الفكرة. وهنا يجوز لنا أن نقول إن الغد يأتي إلى الماضي، وليس العكس.