صعدت نخلة عائلة علام العالية، لإحضار البلح الأحمر الحلو المذاق، فسمعت صوتا لأحد الأجراء عندهم، ينادي عليّ ويأمرني بالنزول ويتوعدني..
هبطت سريعا، وقبل أن أصل إلى جذع النخلة الخشن، قفزت إلى الأرض .. سقطت . التوت قدمي اليسرى، ولم أقو على الحركة . أطبق الرجل عليّ، جذبني بشدة من ثوبي، وقبل أن يضربني بعصاه اليابسة، سمعت صوتا طفوليا ينادي على الأجير : « اتركه . أنا التي طلبت منه طلوع النخلة .. » . واستدار الأجير . أمّا أنا فقد عرفتها من صوتها دون أن أنظر إلى مصدر الصوت . وانصرف الرجل في صمت وخذلان، دون أن ينبس ببنت شفة !! . ولم أقو على النظر في وجهها الصغير . سرت وأنا حزين . أعرج في المشي وانظر إلى الأرض من شدة الخجل ..
عندما عدت إلى الدار، خشيت من العقاب، فلم أخبرهم بأنني سقطت من فوق النخلة .. خاصة نخيل عائلة علام، حتى لا يزداد العقاب !! فصعود نخيل عائلة علام شيء لا يغتفر، يؤدي في معظم الأحيان إلى عقاب شديد، ونتائجه لا تحصى ولا تعد !! . قلت : «التوت قدمي وأنا ألعب الكرة مع الرفاق في الأرض البراح» . قالت أمي بطيبة : «لا تخبر أباك، وفي المساء .. سأضعها لك في الماء الساخن المالح، وأدلكها حتى لا تتورم».
مع الغروب ذهب أبي إلى الجامع . بعد خروجه بمدة قليلة، سمعت هياج كلبنا أمام باب الدار . أطلت أختي الصغيرة من الباب وقالت : «نوسة ومعها خادمتها أم العز .. » . نسيت قدمي التي تؤلمني واندفعت إلى الخارج، أبعد عنهما الكلب واضربه بيدي وأطرده بعيدا .. قالت «نوسة» وهى تقدم لي طبقا مملوءا بالثمرات : «هذا لأختك لوزة .. » . ونظرت إلى خادمتها العجوز . أخذت الطبق، وانصرفت هي والخادمة . وقفت لحظات حتى لا يطاردهما كلبنا الشرس . عندما ابتعدا، أخذ الكلب يدور حولي ويهز ذيله ويشب على خلفيته للمس الطبق بمقدمتيه، نهرته بشدة ودخلت ..
في صمت وضعت الطبق أمام الصغيرة، لم تتكلم، ولم تعقب أمي حيال هذا الصمت . قلت : «إنها أحضرت البلح لك ..» قالت الصغيرة بدهشة وهي تضع راحة يدها اليمنى على صدرها : «ليّ أنا ؟! » . قلت بهدوء : «نعم ..» ضحكت وقالت : «إنها قالت لك ذلك، أمام أم العز» ®. وعادت تضحك . ساد الصمت ولفني الخجل .
وظل الطبق أمامنا، وأمي صامتة لم تعلّق .. ثم قامت ووضعت الماء على النار . عندما بدأ الدخان يتصاعد منه، أنزلته، ثم وضعت فيه قليلا من الملح، وتركته حتى يصير فاترا لا يؤذي جلدي .. تحسست الماء بأطراف أصابعها، ووضعت قدمي في الإناء . في البداية تألمت .. لكنها ضغطت على ساقي حتى اعتدت الماء الفاتر .
أخذت تدلك قدمي عند المفصل . ونظرت إلى الطبق الزنك العميق، به الثمرات الحمراء . قالت في صوت هامس كأنما تحدث نفسها، ولكنها في نفس الوقت، كانت تخصني بالحديث .. وهي لا تتوقف عن تدليك قدمي : «خذها نصيحة مني، اصنعها حلقة وضعها في أذنك، طوال حياتك .. » وبعد هذه المقدمة صمتت برهة قصيرة حتى انتبه لكلامها . عادت تقول نصيحتها وأنا صامت ومصغ في نفس الوقت، قالت: «أهل زمان قالوا ..المياه لا تجري في العلالي .. ».
أخذت أغمغم في سري ..
المياه ..
لا تجري ..
عاليا !!
عبدالستار خليف