لعل أصدق ما يمكن أن يوصف به الناقد الجزائري الدكتور عثمان بدري، الحركة الدؤوب. فهو عضو المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر، وعضو اتحاد الكتاب الجزائريين، أستاذ الأدب الحديث بجامعة الجزائر، لكن عمله لا يتوقف عند التدريس أو عند الإشراف على الرسائل الجامعية، بل يمتد إلى المشاركة في الملتقيات العربية والدولية، وله كتب و دراسات عديدة مثل «بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ» ـ «وظيفة اللغة في الخطاب الروائي الواقعي عند نجيب محفوظ ـ «قمم ونماذج من الأدب العربي الحديث» ـ «رؤية الواقع في الرواية الجزائرية المعاصرة» ـ كما أنجز دراسة رائدة في مجال التعليم الجامعي بالوطن العربي، وعنوانها «الرهان على التعليم العالي في الوطن العربي بين التحديات الداخلية والخارجية».

عاد مؤخرا من الكويت حيث شارك في مهرجان القرين وبالتحديد في ندوة الخطاب النقدي العربي الانجازات والأسئلة، وقبل ذلك كان قد شارك بفرنسا في الدورة العاشرة «شوقي ولامارتين» التي نظمتها مؤسسة البابطين. والتي يعد المشرف العام على دوراتها التدريبية بالجزائر، التقت به البيان في الجزائر وأجرت معه هذا الحوار.

* ساهمتم في الفعل الثقافي من خلال المشاركة في لجان تحكيم لمنح عدة جوائز عربية، فإلى أي مدى تدفع ثقافة الجائزة حركية الإبداع وتغذيها؟

ـ بداية أشير إلى أن ثقافة الجائزة من أهم الآليات الحضارية التي عملت على توسيع وتنويع مساحة الاحتكام إلى العلم والمعرفة قديما كان ذلك أو حديثا، والدليل ما نقرأه من ثقافة الجائزة في العصر العباسي، وتحديدا في عصر المأمون، حيث كان العمل المترجم يكافأ بوزنه ذهبا، والجائزة هي التي تبين الغث والسمين في التاريخ الثقافي في كل الأمم وفي جميع الحضارات.

* في رأيك ما هو الأمر المحفز في الجائزة: هل العائد المادي أم التقدير المعنوي؟

ـ أولا نسجل أن ثقافة الجائزة لا تستهدف تحفيزا ماديا أو معنويا بالمعايير الشخصية، إنما تستهدف إعطاء قيم للمنتوج الإبداعي المتميز، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تهدف إلى خلق روح التنافس البناء توقا إلى الأفضل بصرف النظر عن القيمة المادية أو المعنوية الظرفية التي لا ننكر أهميتها بالنسبة لكثير من الجوائز في العديد من المجالات.

* هناك العديد من الجوائز العربية التي تسهر عليها مؤسسات ثقافية معروفة وذات إمكانات مادية كبيرة، هل حان الوقت لنطمح إلى جوائز عربية ذات رنين عالمي مثل النوبل أو سيرفانتس الاسبانية؟

ـ هناك العديد من المؤسسات الثقافية النوعية التي تعمل في هذا الإطار خصوصا في العقود الأخيرة من القرن العشرين مثل مؤسسة العويس الثقافية ومؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، وجائزة الملك فيصل العالمية، وفي الجزائر هناك جائزة مؤسسة الجاحظية رغم إمكانياتها المادية المحدودة.

والمسألة ليست في الوصول إلى العالمية أو عدمها، بل يتعلق الأمر بالانطلاق في محاولة تحسين عمل المؤسسة المانحة لهذه الجائزة من دورة إلى أخرى.

* كثيرا ما أثيرت في الأدب الجزائري مسألة الصراع بين الأجيال، فهل هي علاقة تكاملية أم تصادمية؟

ـ المسألة فيها بعض الاصطناع، في الحقيقة الفضاء الثقافي الجزائري في حاجة إلى ائتلاف الاختلاف، لا إلى اختلاف الائتلاف، وأعتقد أن ما يبقى في وجدان الناس ووعيهم هو العمل الجيد سواء نسب إلى الثمانينيات أو إلى ما بعدها أو ما قبلها، فالعمل لا يفتك مصداقيته بزمنه ولا بجيله بل بجودته.

* الملاحظ في السنوات الأخيرة أن الأعمال النقدية للناقد بدري تنوعت ومست مجالات عدة في الإبداع مثل الرواية، القصة، المسرح والشعر. ألا ترى أنك توزع جهودك النقدية في زمن يتطلب التخصص داخل التخصص؟

ـ لقد بدأت الكتابة النقدية، التي انصبت بداية على الرواية، وإن كان هناك من تميز فهو دخولي الأدب من باب الفلسفة، ومن هذا المنطلق أنجزت الكثير من الأعمال حول نجيب محفوظ، وغيره من القمم والرموز الكبرى في الرواية العربية، لكن الانطلاق من نوع واحد في الإبداع لا يكشف القدرات المعرفية التي أحسها في نفسي، ولذلك تنوعت أعمالي النقدية حول الشعر العربي الحديث، والمسرح والقصة، فالتخصص ضروري، لكن الأشكال الأدبية تنفتح على بعضها البعض، ولذا تتنوع اهتمامات النقد ويتغذى بعضها من بعض.

* طرحتم فكرة نظرية نقدية عربية في العديد من الملتقيات والمنتديات الفكرية، ما هي الأسس التي تقوم عليها هذه النظرية؟

ـ هذه الدعوة تنبني على تشخيص كثير من النقاد العرب المحدثين لوضعية النقد في العالم العربي، حيث انتهوا إلى أن النقد الممارس حاليا ليس له هوية عربية وإنما هو نقد مؤسس هناك ـ أي في الغرب ـ ومستهلك هنا، وهذا دفع كثيرا من النقاد وعلى رأسهم المرحوم عبد العزيز حمودة، لأن يدعو لإيجاد نقد عربي له هوية عربية. دعوة في ظاهرها تثير فينا الكثير ولكنها من الناحية العملية والواقعية تبدو خارج الأدب، وتدخل ضمن إيديولوجية عامة، لأن القول بضرورة إنشاء نظرية نقدية عربية، تفضي للحديث عن استكشاف نظرية معرفية عربية وفلسفية عربية إلخ.. فالأمر إذن جزء من كل.

* وأين يمكن إيجاد هذه النظرية ؛هل في النص الإبداعي العربي أم في الفكر والتنظير الذي ينبغي أن يخضع له النص؟

ـ في تقديري الشخصي، البديل لما يبدو إفلاسا في النقد العربي الحديث والمعاصر، ليس هو محاولة البحث في المجهول لإيجاد نظرية بهذا المقاس أو ذاك، وإنما البديل هو النقد التطبيقي، ولو من منظار الآخر، وهو الذي يكشف عن الخصوصيات المحلية والعربية، ويمكن له أن يتراكم وأن يتأصل، لنؤسس عليه مستقبلا نظرية نقدية خاصة.

حوار : مراد الطرابلسي