ضمن الفعاليات التي يقيمها قصر التذوق الفني في الإسكندرية عقدت ندوة لمناقشة رواية المنتهى الأخير، للكاتب المصري خالد غازي، الذي صدرت له عدة أعمال تتنوع ما بين القصة والبحث منها: «نساء نوبل»، «جنون امرأة مي زيادة»، «القدس.. سيرة مدنية»، وعلى مستوى القصة أصدر مجموعتين قصصيتين هما «أحزان رجل لا يعرف البكاء»، «الرحيل عن مدن الهزائم»، وتعتبر رواية «المنتهى الأخير» استكمالاً للخط القصصي الذي سارت عليه المجموعتان على مستوى اللغة والسرد. قدم للندوة د. محمد أبوالشوارب بكلية التربية بجامعة الإسكندرية، وقام بالمناقشة كل من د. السعيد الورقي أستاذ الأدب العربي، والناقد شوقي بدر.
وفي تقديمه للرواية قال د. محمد أبو الشوارب: لعل أهم ما يميز هذه الرواية هو انتهاجها خطا تجريبيا واضحا على مستوى السرد، حيث يسير السرد في ثلاثة محاور متجاورة وبين ثلاثة أزمنة، هذه المحاور التي تتشعب خلال عملية القص، ويتداخل فيها التاريخي بالزمني لا تلبث أن تلتقي في مجرى واحد يشكل جامعًا بين المستويات السردية المختلفة، ولعل هذا التشعب، الذي يوظف لعرض مراحل زمنية مختلفة قد ساعد أكثر من إعطاء الرواية صفة السرد الهدفي، الذي يبدأ بقاعدة مشتركة ويلتقي عند نقطة أفقية واحدة، كما يتضح من عنوان الرواية.
ويتساءل د. السعيد الورقي، ما هو هذا المنتهى الأخير، الذي لابد وأنه يحمل الكثير من أحزان الرجل الذي لا يعرف البكاء، والذي انتهى إلى الرحيل عن مدن الهزائم؟
في الرواية ثلاثة أصوات أساسية تتقاسم العمل بالتساوي، فلكل صوت خمسة عشر فصلاً، الصوت الأول يبدأ بعبارة شهر زاد ألف ليلة وليلة بلغني أيها الملك السعيد، وهو بشكل عام لفتاة على قدر باهر من الجمال والذكاء زوجها أهلها لمن لم تحب، والصوت الثاني للعاشق الذي أحب شهر زاد وبحث عنها في كل النساء، لكنه لم يجدها ولم ينسها، فقد كانت محبوبته امرأة بكل النساء، والصوت الثالث عن جد الراوي، هذا الشيخ المتصوف المبروك الذي يبشر بالسلام ويدعو للأمن والأمان.
كل صوت من هذه الأصوات الثلاثة يسعى إلى الحقيقة، شهر زاد تسعى إليها بالعلم، والراوي يسعى إليها بالعشق الروحي والجسدي، والجد الشيخ يسعى إليها بالمعرفة، المنتهى واحد هو الحقيقة والسبل مختلفة، لكن ماذا عن النهاية؟
قدمت رواية المنتهى الأخير لخالد غازي عالما تتفاعل فيه حركة الحياة من خلال أحداث مسجلة.
كما قدمت رؤيا استبطانية لمدلول هذه الأحداث والوقائع، كما قدمت انفعالاً موازيا لهذه الرؤيا ولتلك الأحداث، تجسيد الأحداث بالوقائع مأساة إنسانية في أبعادها المحلية والقومية والإنسانية، هذه المأساة هي مأساة الشعب الفلسطيني وما يلقاه من اليهود منذ الاحتلال وحتى الآن من قتل وتشريد وتجويع وإذلال يعكس الإصرار مع الضعف ثم الموقف المتخاذل المستضعف من الجيران الأشقاء الذين استناموا إلى الشعارات وتقديم بعض العون المادي، ثم الموقف العالمي بما فيه من غطرسة واستعلاء، وهو ما يلحظه الشيخ الجد من تأملاته المعرفية بقوله: من هانت عليه نفسه، هان على الناس.
مذابح جماعية
تتناثر داخل الرواية أحداث المذابح اللا إنسانية والتشريد والقتل الجماعي وممارسة كل أشكال الإذلال من إذلال النفس إلى هدم البيوت على أصحابها إلى تفريغ القرى من أهلها، ومع ذلك وهذا سر آخر من أسرار المنتهى، لم يفن الشعب الفلسطيني، ولم يستسلم ولم يضع حدا للمنتهى الذي تريده إسرائيل.
إن رواية «المنتهى الأخير» رواية جيدة النسج، محكمة البناء، امتلكت خبرة التراث السردي بما مكنها من تطويعه في نسج سردي جديد، فالرواية رواية أصوات، لكنها ليست بالمفهوم التقليدي لرواية الأصوات، فقد بدأت الأصوات في الفصول الأولى مستقلة متفردة، يقدم كل صوت فيها ذاته تقديما مستقلاً، لكنها لا تلبث أن تتداخل متكاملة أحيانا ومعقبة أحيانا ومتصارعة في أحيان أخرى، فتحولت الأصوات إلى نسيج واحد ليس في البناء فحسب، بل في اللغة أيضا.
حيث تقاربت متداخلة لغة السرد، فأصبحت واحدة تقريبا بعد أن كان يسيطر على لغة الشيخ الجد اللغة الصوفية الباطنية، وعلى لغة شهرزاد اللغة الشعبية المثيولوجية، وعلى لغة الراوي اللغة الشاعرية الانفعالية بدأت الرواية بتقطيع السرد من خلال أصوات مستقلة، لكن الرواية لم تلبث أن حققت كلاهما في النسج البنائي أثر تأثيرا واضحا على مستويات اللغة السردية محققًا تجانسًا ملحوظًا بين ما هو تسجيلي وما هو مثيولوجي وما هو شاعري وما هو باطني.
إشارات وعلامات
أما الناقد شوقي بدر فقد تحدث عن الجانب السينمائي للنص موضحا أن الرواية تضمن العديد من العلاقات البصرية والجمالية التي تشكل مستوى من السرد يتميز بحضور علامات سينمائية واضحة يقول: رواية المنتهى الأخير للكاتب خالد غازي، والمنبثق تشكيلها من إشارات وعلامات ودلالات ومدلولات استمدت ملامحها من أبعاد متعددة داخل نسيج هذا النص.
كما تمتزج مستويات الحكى من خلال الالتقاء حول علاقات تربط بين الشخوص المركزية، الأنثى: شهر زاد بالراوي الحفيد، كما تربط الحفيد بالجد الشيخ المتصوف، الذي قضي عمره في ترحال بين المشرق والمغرب بحثاً عن الخلاص والحقيقة المطلقة، وتعتبر المستويات الثلاثة الممتزجة لمحاور هذا النص ذات أبعاد جمالية تستمد خطوطها من اللغة الشاعرية المتدفقة.
والإيقاع السردي الخاص بها والمحمل بدلالات الواقع الذاتي، والمعبر عن طبيعة كل شخصية، كما أنها تبدو أيضًا حافلة بالأحداث والوصف وانثربولوجيا الحياة ومظاهر العشق والتصوف، كما يتوجه النص في مستوياته الثلاثة المشكَّل من خلالها إلى دلالة خاصة، وسيميائية تتحلق حولها مستوياته المختلفة، وإشاراته وعلاماته المحورية، والذي يحتفي بها في كل نسيجه، وهي جميعها تتجه ناحية روافد إنسانية متعددة.
أما الكاتب خالد محمد غازي، فقد قال في ختام الندوة: ترددت كثيرًا في نشر روايتي «المنتهى الأخير» لأنها تحمل في اعتقادي تجربة صعبة التلقي بالنسبة إلى القارئ العادي، ففي لغتها وأحداثها التي اعتمدت علي التصوف كمحور أساسي، وأن هناك نقطة ضوء أخيرة لابد للإنسان من الوصول إليها وأن المنتهى الذي يعني نهاية الأشياء ونهاية الوجود هو أيضا بداية لوجود جديد وحياة أخرى لا ندري تفاصيلها أو قوانينها.
الإسكندرية ـ سارة نور الدين
