احتفت جمعية الإمارات للفنون التشكيلية بالفنان الكويتي سامي محمد في مقرها بالشارقة مساء أول من أمس، عبر قراءة في تجربته قدمها الناقد طلال معلا، وحوار مفتوح مع الفنان ضمن ملتقى الجمعية الشهري، بحضور أعضاء الجمعية ونخبة من الفنانين التشكيليين، وعدد من المثقفين والإعلاميين..
وبعد التعريف بالفنان سلط معلا الضوء على تجربته التاريخية، معتبرا سامي محمد أحد مشاعل الفن في الكويت، لأن تواجد فنان من هذه السوية في محترف من المحترفات ولا تستطيع الحركة الفنية النهوض إلى مستواها، يشكل هذا بالتأكيد أزمة في المستوى الإبداعي، فسامي محمد طفرة، لأن هذه التجربة لم تتكرر بهذا العمق. وهذا الانتماء إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافية أو القومية، وأكد معلا أن السبب في عدم تجاوز تجربة سامي ليس فقط قدرته التقنية، أو ما يمتلك من موهبة أو معارف، بل ان هاجسه الأساسي كان الإنسان وحقوقه، عبر تجربة بدأت بعد عودته من أميركا.
واستعرض معلا تجربة الفنان سامي محمد منذ السبعينات حيث توزعت إمكانياته على أكثر من مستوى في مجال الرسم والنحت، واستطاع أن يبدع في المجالين، أن يبدع بالمعنى الذي يضيف إلى التجربة، بالمعنى الذي يجعل منه باحثا في الأمور التي عليه أن يبدأ بها، سواء أكان في سبر الذات أم عذاباتها عبر النحت، أم العودة للرموز التراثية عبر الرسم.
ومن خلال مجموعة من التجارب أطلق عليها اسم «المنحنيات» حاول فيها رصد التراث الإنساني في حالات التأمل وحالات المزاوجة ما بين الخط واللون دون الوصول إلى حالة الشكل، وقد اشبع الفنان هذا الجانب التجريدي اهتماما وانجازاً بالاعتماد على الكثير من تلخيصات لتجارب الفنانين في العالم، سواء أكان من حيث اختيار الألوان أم من حيث الأشكال التي يشتغل عليها، وفترة المنحنيات رافقتها فترة نحتية اشتغل خلالها على خشب الصاج والبرونز، واستطاع أن يقدم مجموعة من الإلماحات الإنسانية تعلقت بالمرأة والأنثى في مراحل حياتها.
وأضاف معلا: ان اهتمام سامي محمد بالتراث جاء انطلاقاً من النظرة الحقيقية له، أي النظرة إلى التراث ليس من خلال التعلق بالأشكال الرمزية التي نراها في المستوى الفيزيائي أو المستوى المنظور أو المباشر بشكل عام، أو المتداول من المفردات.. بل من خلال روح المادة، والصلة بين فترة الشغل على التراث «السدو» وفترة «المنحنيات» تأتي من هذا المنطلق: كيف نربط بين الماضي والمستقبل.
وكيف يمكن أن نستنبط من الماضي هذه الروح التي يمكن أن يحتوي عليها التراث لنشكل منها حالة مستقبلية معاصرة نقرأ من خلالها اشتغالنا على مساحة اللوحة، وهذا ما يجعل سامي محمد يعود إلى النسيج والخيمة والزخارف والتطاريز وغيرها من المورثات الشعبية، ضمن مجموعة من الأعمال تجاوزت مئتي عمل تجريدي تعتمد على مفردة الزخرفة التي تحدثت عنها الدكتورة زهرة احمد حسين علي حيث كتبت عن سيمياء التجريد عند سامي محمد، فالموروث الشعبي الكويتي كان منطلقه، لكن تكراره للمفردة يؤكد حقيقة ان هناك قيمة مختفية في هذا الرمز في هذه الإشارة الزخرفية أو الهندسية، والفنان يشتغل على اكتشافها، وهذا ما أدى إلى إنتاج هذا الكم الكبير من «السدو» والموضوعات المستوحاة من هذا الانجاز الشعبي.
وعلى صعيد اهتمام الفنان سامي محمد عبر منحوتاته بالإنسان، أوضح معلا أن الفنان في ظل هذه الانقلابات السياسية والظروف الاجتماعية للإنسان العربي قدم مجموعة «الصناديق» وهي منحوتات لمحاولة الإنسان الخروج من واقعه وكيفية تجاوز هذا الواقع، أو هذا القهر والظلم، وكيفية التخلص من زنزانة التقاليد أو زنزانة الاحتلال أو القمع.. وهي مجموعة من الأعمال الفنية بالجبس أو البرونز أو غيرها من المواد، اهتمام الفنان يتجوهر فيها أكثر بالقضايا الثورية، وبما يعانيه الإنسان بشكل عام، الإنسان دون ملامح محددة، وهذا الإنسان أخرج سامي محمد من حالته العربية إلى حالته العالمية.
ويرى معلا أن المثابرة عند سامي محمد تعطي نتائج متكاملة، حيث التقنية العالية ودراسة الحركة والمنظور والأبعاد الدقيقة.. يرافقها اهتمام بالمضمون، فبدون محتوى إنساني لا يمكن للكمال أن يشبع المشاهد أو المتلقي الذي يتلهف ليرى قضيته في العمل الفني.. والمضمون عند سامي محمد يوحد هواجس البداية عنده مع هواجس النهاية.
وأكثر ما يميز أعماله هو الإشارة إلى الممارسات اللاانسانية، والدفاع بذلك عن حقوق الإنسان وهي من أولى مهمات الثقافة والفن بعيداً عن أي ايديولوجيات أو أفكار حزبية أو وجهات نظر جهة ما، انها وجهة نظر مبدع، هذا، ودارت حوارات مع الفنان حول تجربته في جمع صور لعذابات الناس، وعلاقة المتعة بالعمل وقدرة الفنان على تحمل هذه العذابات.. وتجربة الفنان مع «السدو» وعلاقة الرسم بالنحت والجمع بينهما.
الشارقة ـ محمود أبو حامد

