نلج الحياة مضرجين بالبكاء، بالرغبة في العودة إلى مسكننا الأول في رحم الأمهات حيث السكينة والصمت والنعيم. يصفعنا الأطباء على ظهورنا كي نعتاد لاحقا على الجلد، وتجرحنا الممرضات بإبرة الدواء والمصل فتتغير تركيبة دمنا الأول، ثم يلفنا الخائفون في قماط مشدود فلا نلوّح ولا نؤشّر ولا نشير إلا بصوت البكاء العالي، ياله من استقبال رائع.

لقد غادرنا منبعنا الأول الصافي وجئنا إلى العالم بكل حب، تتلقفنا الأيادي الحنونة وتمسح على رؤوسنا كي نهدأ، كي نقبل بحياة يرسمها لنا الآخرون، وفي سنواتنا الأولى يكون البكاء لغتنا الفصحى، به نتخاطب ونعبّر ونتفاهم، لكن الكبار لا يريدون لنا أن نبكي، ولا يسرهم منظر الدموع وهي تنحدر من العين البريئة فيبتكرون الوسائل لإجبارنا على الضحك والابتسام.

إنهم يدفعوننا كي لا نبكي، كي نتعلم كيف نحبس الدمعة مهما اشتد الألم، فالبكاء من وجهة نظر الكثيرين يعني فقدان السيطرة على المشاعر ويعني الضعف، وقليلون فقط ربما يدركون أن البكاء يصبح مع الزمن نعمة مفقودة وغير مستغلة، ومناسبة منسية للتطهر من الاختلاجات والاحتقانات الجوانية وطردها من أعماقنا.

معاهد ومدارس كثيرة في العالم اليوم تدرّب الإنسان على فن البكاء، ومثلما يحتاج الإنسان إلى الرقص والضحك والقفز، يحتاج أيضا إلى البكاء وإطلاق المشاعر الجياشة؛ تتدفق من غير حسابات في الوعي، وتعتمد (نظرية البكاء) على مفهوم بسيط وهو أن الكثير من أحداث ورواسب الماضي التي لم تحسم تظل حبيسة في الذات، مثل الجمر الذي يظل مشتعلا تحت الرماد ولا يراه أحد.

وفي حين يظن كثيرون انهم تجاوزوا تلك الأحداث وانها شفيت مع الزمن، إلا انها تظل بشكل غير مباشر تؤثر في اللاوعي وفي السلوك اليومي وفي ردات الفعل في المواقف اليومية، والطريقة الوحيدة لتجاوزها هي إعادة التخلص منها بالكامل، فكل دمعة حبست في الماضي يجب ان تطرد من جديد، وكل غصة او ندم او حرقة او حسرة اذا لم نعد التخلص منها تترسب مثل صخور يابسة على منابعنا الروحية الصافية وتعيق تدفق الحرية والجمال في أقوالنا وأفعالنا.

أعرف صديقاً عادياً وكتوماً دخل في دورة تدريبية على (فن البكاء)، طلب فيها المدرب من الجميع إطلاق العنان لأنفسهم بالبكاء من دون قيد أو خجل او خوف، واستغرب الصديق من نفسه عندما استمرت حالة البكاء معه لمدة ثلاثة ايام متواصلة نفض خلالها (كما يقول) جميع رواسب الماضي وطرد من ذهنه ذكريات كان يظن انها لن تعاود الظهور أصلا، وهو اليوم اكثر رشاقة في الروح والمرح والاندفاع، وزالت عنه ملامح الندم من كل أخطاء الماضي.

اغسلي المرايا بالبكاء وسترين وجهي

اكتبي بحبر الدمع رسالة النبع إلى النبع

وبلا خجل طهري الماضي بصرخة

اكنسي غرفة الارتباك واقفليها إلى الأبد

الحياة اندفاع دائم

وكل وقوف يأس.

akhozam@yahoo.com