هذه المبدعة قصصها مشرعة ابداً على فم بركان، وعلى بساط السرد السحري يسافر «المتلقي» في قارات الداخل.. داخل شخوصها.. وشخوصها كأحلام مقوسة، وما النقد، والمتلقي، والآخرون سوى مسافة، وابهى ما في قصصها انها سرّ إلى الينبوع دائما و« أيضا» شخوصها التي تملأ جروح السرد بالبراعم يتجمع في اخر افقها الضوء الذي يلي دائما.

شخوص لا تنظر لنفسها في المرآة فقط، بل تنظر المرآة ذاتها، شخوص كخروج صدفة على البحر، تنبه سكان النوم بأن الضوء لا يزال يطل على الشرفة، شخوصها كشجرة غامضة تجيء إليها الجهات وفي جيوبها مفاتيح للأشياء، وهذه المبدعة التي ترى انها ليست بريئة تماما وان ثمة خبث بين سطورها كأنها تؤكد ـ أيضا ـ ان الشعر لا يحقق البراءة ولا يمتلك القدرة على التبرئة ومعها كان هذا الحوار:

* لم يعد ثمة سماء تضللني «هذا عنوان شهادتك الإبداعية والسؤال حول هذا العنوان يقول: هل أنت مكتفية بالذي هو أنت فقط ؟

ـ لو كنت مكتفية لمت ! عموما ينبغي ان يحس المبدع بنقص ما حتى لو توفرت لديه كل أسباب الاكتمال والا فقد مبررات الاستمرار في اللعبة ! إحساسك ان هنالك خللا في مسار الأشياء يحفزك على اتخاذ مبادرات تؤدي في النهاية إلى احداث تغييرات حقيقية فهذا ما اطمح اليه دائما فالرتابة موت بطيء اذا لم نستطيع فعل شيء إزاءها - على الأقل - دعنا نعبر عن رفضنا الوقوع في براثنها.

* ماذا تقولين عن الوهج والبهاء الذي يضلل اعمالك القصصية وبسرد فائق القسوة؟

ـ احب ان اصدق حكاية «الوهج والبهاء» التي تتحدث عنها ولكني لن انطلق منها لان ذلك هو الغرور بعينه، إعمالي القصصية مثل اي تجارب إبداعية أخرى لا تخلو من تفاوت وهي قابلة للرفض او القبول، كثيرون أحبوا قصصي وكذلك لم ترق للكثيرين، في جميع الأحوال لا أحب مصادرة حق القارئ في قول كلمته، اطمح دائما إلى تألق إبداعي ولكن ليس بالضرورة ان انجح دائما،

تتحدث ايضا عن «سرد فائق القسوة» على ان اوافقك هناك ربما كانت هذه القسوة بمثابة تعويض عن اضطراري للمجاملة احيانا وتحمل ثقل وغلاظات الآخرين، البعض يعتبر القدرة على المجاملة ميزة، انا اعتبرها نقيصة وكثيرا ما لمت نفسي على ما يسمونه «لباقتي»، استمع إلى هراءات

وأتمنى ان أقول لأحدهم « ليتك تمت إلى الأبد» غير انني اكتفي بالصمت، اما عند كتابة القصة فالامر مختلف تماما فقصتي هي خط احمر، عندما أمارس صدقي على هواي لست مضطرة لمجاملة اي من شخصياتي واتعامل معها بقسوة بالغة، ينبغي ان نتذكر ان الحقيقة قاسية والنص الإبداعي ينبغي ان لا يقل قسوة اذا أردنا ان نرتقي إلى مرتبة الصدق الخالص.

* الموت الذي يستأهل كل المقومات ليكون ماذا عن سؤاله ابداعيا؟

ـ لأول مرة في حياتي احس ان فكرة الموت تتراجع ولا تبدو بتلك الأهمية وهذه مفارقة غريبة لا اجد لها تفسيرا منطقيا، ربما لأنني كتبت حول الموت حتى بدوت مثل بومة لا تكف عن النعيق، ليست لدي رغبة في طرح أسئلة حول الموت، لدي الان كل الاجابة، المسألة في غاية البساطة، عندما يأتي الموت سوف يأتي لن يحول ايّ نص دون حضوره ومن البديهي ان يكون حضوره مدويا.

* « قبل الأوان بكثير» هل انتِ مسكونة بهذا الهاجس كمبدعة؟

ـ « قبل الأوان بكثير « حالة قدرية لا احد ينجو من وطئتها فالأشياء الجميلة التي نحظى بها تنتهي قبل الأوان بكثير ربما قبل ان ندرك مدى جمالها ودائما لتبدأ بعد فوات الأوان بكثير ايضا، لا اود ان أكرس هذه الحالة في ذهني لا كمبدعة او كإنسانه لانها تتضمن درجة عالية من العدمية لا تُفضي الا إلى خواء مطلق.

* القصة القصيرة إلى اين.. بين التأليف الفني والفعل الحياتي ؟

ـ الأمر اشبه ما يكون بمحاولة فك ظفيرة.. من الرائع ان يكون الفعل الحياتي فناً خالصاً اذا أدركنا اهمية وندرة ما تقدمه لنا الحياة وبالتالي نتمكن من اتقان الحياة من خلال تحويل سلوكنا اليومي إلى سلسلة من الاندهاش والادهاشات الصغيرة التي تمنح الواحد منا حالة من التوازن والرضا عندها لا اظن ان هنالك ثمة حاجة حقيقية للكتابة ولكن هذه الحالة قد تكون مستحيلة من الناحية الواقعية لذلك نستعيض عنها بالكتابة التي تحقق شيئا من التوازن الذي نتوق اليه في نهاية الامر.

* مقولة «تحول الانسان إلى جسد، الجسد ذلك هو يقيني » هكذا قال الشاعر الفرنسي انطوان آرتو والسؤال ماذا عن يقينك؟

ـ لحظتي الراهنة هي يقيني الوحيد لانها ممسوكة بكل حواسي، ما ينفك من قبضة الحواس يفقد مصداقيته على الفور، احيانا تتوطئ الذاكرة فتتشبث بالجمال الذي يحلل اللحظات الهاربة تحديدا تلك اللحظات النادرة التي تتميز بتكثيف شعوري عالي لتصبح ما بعد بمثابة المؤونة التي تمد الروح بما يلزم من طاقة الفرح.

* ماذا تقولين عن وعي اللغة في قصصك؟

ـ اللغة هي اداتي الوحيدة، لذلك اتعامل معها بحساسية فائقة لانها قد تكون مقتل النص او سر تألقه، أحيانا تكون طيعه إلى ابعد حد واحيانا تستعصي، اعتبر نصي على درجة عالية من الوعي اذا عرفت كيف أُحمّلُه هواجس ومخاوف واحلام وافكار ومصائر شخصيات بأقل كلام ممكن.

* الحرية التي حرمت منها حتى الان وتسعين اليها ماذا عنها؟

ـ الحرية بالنسبة لي مرادفة للحياة، لا اعتنق مقولة « حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الاخرين » انا ارى ان حريتي عندما تبدأ فإنها لن تنتهي الا عند حدود القبر وحتى القبر يكون بوابة لحرية اشمل واوسع، فيما يتعلق بالكتابة، لا يمكن ان يعجبني اي نصٍّ مكّبل،

ينبغي ان يكون وعي الكاتب حرا حتى يقنعني واحاول من خلال قصصي ان أتمتع بأقصى درجات الحرية كي لا اكون كاذبة، احيانا يجد الكاتب نفسه امام قيود يصعب تجاهلها في هذه الحالة أفضل ان لا اكتب، لان الصمت انبل فالحالة الإبداعية لا تحتمل انصاف الحلول ولا تحتمل تسويات من اي نوع.

عمان ـ شيما برس: